سيقولون لك...
ومعهم إمامٌ
يفتي في الغريب،
وعالمٌ
يعلّل العجيب،
ووزيرٌ
يكرّم أسرار الغيب...
سيقولون لك:
إن هذه الشجرة العتيقة،
التي أنهكها الوقوف،
وحملت في جذورها
أسرار التراب والريح،
تحتها تجري مياه الأسرار،
وأن ترابها الرطب
بلسمٌ للحظ العاثر،
ووهجٌ لحلمٍ غائر
أطفأه التعب.
سيقولون لك...
إن هذه النبتة الصغيرة،
التي ضاع اسمها بين الأسماء،
تعرف أسماء أمراضنا كلها،
وأن الكركم الذي بدرهم واحد
يحمل في عروقه الصفراء
مفاتيح الشفاء،
وتمتد يده الوهمية
إلى الصرع والشلل،
حتى وجع البهيمة والبعير.
سيقولون لك...
إن في القرفة سرًّا خفيًّا
يهمس للحوامل والنفاس والصبيان،
وأن الثوم والبصل
يخفيان في روحيهما
نارًا قديمة،
تطرد البياض عن الجسد،
وتعيد للدغل
شهية الحياة.
سيقولون لك...
إن الفحولة الضائعة
تنام في عشبة منسية
على رفوف العطار،
وأن العسل
صار عندهم سلّمًا لكل سماء،
وأن الحبة السوداء
تملك جوابًا لكل سؤال...
إلا سؤال القدر
حين يطرق الباب.
سيكثر الرقاة والقراء...
سيقولون:
إن جنود الخفاء
هم الذين خلطوا السم بالطعام،
وأنهم تسللوا إلى العقول،
وعبثوا بالأرواح،
فيهم عاشقٌ وحاقد،
وماردٌ ناقم،
وظلٌّ يطارد ظلّنا.
سيقولون...
إن الدواء رقية،
وأن الخلاص في البوح،
وأن الصوت الخارج منك
ليس صوتك،
بل سجانٌ خفيّ
يسكنك منذ الولادة.
سيقولون...
إن الجنون جنة،
وفتنة،
وهبةٌ لا تُردّ،
وليلةٌ بيضاء
يرقص فيها الخفاء
فوق رماد العزاء.
وسيقولون...
إن الدواء كل الدواء
جرعةٌ من الصبر،
وكأسٌ من القهر،
وحفنةٌ من الصمت،
وقيدٌ من الرضا.
وأن الراقي
يحاور الريح،
ويطرد بكلمات الغيب
شياطين الجريح
وأوهام البلهاء.
لكن الحقيقة...
أنهم دهاةٌ دهاة،
يريدون شعبًا
يخاف السؤال،
ويستبدل العقل
بخرزةٍ ووشاح.
يريدونك أن تنسى...
تنسى حتى النسيان،
أنك جسدٌ قابل للعطب،
وأن الطبيب بابٌ لا عدوّ،
وأن المستشفى
ليس قبرًا مؤجلًا.
وأن العيب ليس في العفاريت،
ولا في الأعشاب،
ولا في رقية الغرانيق...
بل في سريرٍ أبيض
باعوا ألمه،
وأقاموا فوق جراحه
أعراسًا بعيدة،
وزيجاتٍ خلف البحار.
يريدونك قنوعًا...
تخيط جراحك
بمرهم الكمون والتراب،
وتطوف حول قبرٍ غريب
كي تنسى الطريق.
كي تنسى أن الدواء
قد يصبح غدًا
وليمةً للأغنياء،
وكأسًا مرفوعة
في أعراس المالديف.
وكلما عرفت...
أن الماء ماء،
وأن الكركم كركم،
وأن الثوم
لا يعيد عمرًا انكسر،
وأن الراقي
ليس سوى مرآةٍ صدئة
لخوفٍ ورثناه...
نبشوا في ضجيجك،
وحفروا في غابات نومك،
واستخرجوا من صمتك
تهمة.
تركوك واقفًا
أمام بابٍ مغلق،
تسأل:
من سرق المفتاح؟
ثم قيدوك بالفضيحة،
حتى تنام...
وأنت مجرد مشتبه.
حريتك لا تتجاوز
حدود الوهم،
وقصيدتك لا تتجاوز
رقصةً وحيدة
حول نار الغواية.