تتحسسُ حقائبي
بقية صدى ومدى
يردني الصياح عن رحيلي
كأنّه يد من غبارٍ قديمٍ
تفتّشُ عني…
لكني سبق ورحلت
هل علمتِ؟
والصدى لا يدري.
وأسمعُ ضحكةَ رفٍّ
يُطوِّقُ رفّاً
وهمسَ الخشب:
«ما يزالُ الصنوبرُ يحلمُ
أن يعانق شجرة الأصل،
أن يقبل جبين المطر ،
أن يركضَ شاعرٌ حالم
عندَ مغربِ يومٍ بعيد
وخلفَ ظلالِ الرعاةِ
يهزأ ناي من صلب الخلوات
من جبن الليل حين غفت"
لم يحنِ الوقتُ للسفر...
قالت من تمنعت ثم ألغت
همس الوسائد السرية.
الليلة... تأخر فيض أنوثة
لم يعد يجدي تأجيل السفر.
هذا المساءُ
أثمرَ الشعرُ فيه
قبل نضوج الجراح،
وأينعَ في القلب
هذا الرحيلُ الجريح.
قالتْ ليَ الريحُ:
«متى عبرَ البحرُ آخرُ بحّارِه
بين ضلعكَ والخيال؟
إنّي أشمُّ ملح الطريق،
وأسمعُ شِراعاً أتعبه
انتظار الريح
تهزأ منه مرافئ المدنُ
كلما سكرت...
سمته شراع حطام غريق.
هنا كانَ…
قبلَ أن ينزحَ البحرُ
من جسدِ البحر..
كان على الموج أن يغير ثوب الشاطئ
لتنام أغنية بحار لم يعد
حتى مطلع الفجر."
وتضحكُ منّي الطريق:
أيُّها العابرُ
كيف تهمس للريح للصريع
وتصغي إلى الظلِّ المتلاشي
في رغوة مساء حريح
كيف صدِّقُ حكايات بحار عجوز
زعم أن قصائدَكَ تذكره
بحانةً على الرصيف،
سريراً دافئاً
والمرأة التي أدمنت الوداع.
وحقيبتي…
آه يا حقائبي…
تشرئب بدورها في خيالي
وتلعن هذا العجوز
كلما ألح على البقاء
لانتظار الانتظار.
ولا يروّضُ صورة متمردة
في جيب قلبي الصغير
غيرُ وعدٍ صغيرٍ
بأنَّ الرحيلَ قريب.
فتهدأُ…
وتنامُ قليلاً
في مسافة بين الحلم والوهم.
سأمضي…
إلى حيثُ تحلمُ الفنادقُ
بغريبٍ
لا يسألُ عن ساعةِ الفطور،
ولا عن مناشفَ نظيفة،
ولا عن صابونة.
غريبٍ
يأتي بحقيبةِ عمرٍ
ويتركُ في الغرفةِ اسماً
وينسى خريطه أسفاره.
سأقيمُ طويلاً
على أريكةٍ من مداد،
وفي بهوٍ
تتجوّلُ فيه الحكاياتُ
مثل قط عجوز.
وسأحكي
للغرفةِ النائيةِ
كيف يموتُ المسافرُ
شيئاً فشيئاً…
وكيف يُشيِّعُ نفسَهُ
كلّما غادرَ مدينةً
تدفأ بحكايات الآخرين.