تخطَّ إلى المحتوى

غير معروف

١٨٦ بيت

النسيب

أفترش جريدةً

في حديقةٍ عمومية.

جريدةً تقاوم القطيعة،

تترقب بوق قيامة الحبر

بقليلٍ من الإثارة

والفتنة.

تقدّم خبرًا بلا مصدر

عن حدثٍ ما يزال مسودةً

ينقّحها القدر.

أغفو...

كظلٍّ يترنح

ولا يصحو.

كعادتي

منذ عيد ميلادي الستين.

أرى صبيًا

يدحرج حلمًا كبيرًا

شكّله من دوّامةٍ خشبية،

ويتمنى

لو تظل تدور

ولا تتوقف...

فكل دورةٍ أخرى

تفجّر فيه

فروسيةً خفية.

لست كما كنتُ

منذ سنوات.

لم أعد أغفو

حتى تنام الأمنيات.

لكن...

حين طرق الموت

جدار البيت،

اختفت نجومٌ كثيرة،

كانت تغري قناديل الشرفة

بالسهر حتى الفجر.

وانكسر

في عكاز الروح

شيءٌ كثير.

ومنذ ذلك الوقت...

تصحو لعبي القديمة

كلما غفوت.

قد يوقظها

صبيٌّ يركض خلف كرة،

يتقمصه شيخ،

وتلعنه نوافذ زجاجٍ كثيرة،

تفتح عيونها

فيضجّ الحي.

نسيتُ ملامح كثيرة

في لعبي.

وبقيت...

روائح الخشب،

والبلاستيك،

ونكهة المطاط

في وليمة ذكرياتي.

لكن...

ذاك القطار الغجري

الذي اشتراه أبي

في عاشوراء،

لم يغادر أبدًا

فناء عمري.

كان عالمي الصغير:

قطارًا،

وعلاماتِ تشوير،

وبوقًا،

وسائقًا

بغليونٍ وقبعة.

أمنحه دفءَ المحطات،

وأصنع له حياةً صاخبة

من حكايات العائدين.

فلا أحد يدين

أساطير الطفولة،

حين يرويها

طفلٌ كثير الشغب،

جميل الافتراء.

يحكي عن العشق،

والانتظار،

ورسائل

ما تزال دافئةً

في صندوقٍ من عرعر،

لعجوزٍ

لم تنسَ شابًا

ركب سفينةً

ذات فجر،

وعاد...

في حكايات المسافرين.

أما هو...

فلم يعد

أبدًا.

في غفوتي...

أملأ أرصفة المحطات.

وأوزع

الأجراس،

والمناديل المحلقة

كالفراشات،

والقبلات

العميقة الأنفاس.

وحين أغفو...

على مقعدٍ

في حديقةٍ عمومية،

أصلح تجاعيد وجهي

بحكايات طفولتي.

أستخرج رسائل تلك العجوز،

وأحرر الصندوق الخشبي

من لعنة انتظار

ليست قضيته.

حين أغفو

أصفو...

فأرمي بقطاري

على سكة الخيال.

فتعيد إليَّ اللعبة

بيتًا قديمًا...

كرمةً عند الباب،

وصورة جدي،

ورائحة الدقيق،

حين كانت البيوت

تخبز للجيران،

وللعصافير.

في هذياني الجميل،

أمد يدي

إلى القطار

الذي اشتراه أبي.

فتهدأ روحي...

بالوجوه

التي ركبت قطاري،

ولم تكن...

إلا حكاياتٍ

ينسجها

افترائي الجميل.

علمت...

حين شخت،

أنني لم أتعلم الحكي

من الأسفار،

بل من قصص

لعبي القديمة.

وأن الطفل

الذي فيَّ

كان يدربني

على الصبر في الحكي،

وعلى عشق التفاصيل.

أمد يدي

إلى القاطرة الصغيرة

بلون الكستناء.

ويتركني صاحب الغليون والقبعة

أعصر كبد الصافرة.

أرمم الصورة...

بخارٌ

يعرف طريق العودة.

ورئيس المحطة

يفتح للصغار

باب القطار،

وباب الدهشة.

لكن القاطرة

كانت تخرج كثيرًا

عن السكة

قبل الوصول.

فأرمي بها بعيدًا...

فيأتي أبي.

بيدين

تعرفان الطريق

إلى الأشياء المكسورة.

يعيدها...

ويعيدني معها.

فيدور القطار...

ويدور...

حتى أنسى

وجه الوقت.

وأقلُّ العابرين

في خيالي،

وأوصل الفلاحين،

والرعاة،

ونساءً

بحقائب ورضّع،

إلى أحلامهم

البعيدة.

وحين يعدن

في المساء...

تعود الحقائب،

وتختفي الوجوه.

ويبقى القطار...

يدور

في الغرفة القديمة.

وتبقى يد أبي

فوق العطب.

منذ ذلك الوقت...

كلما خرج شيءٌ مني

عن السكة،

أبحث...

عن تلك اليد.