قدرٌ أنَّا خُلقنا هَازلينا
قدرٌ أنَّا حيينا عابثينا
قدرٌ أن تَرشُدَ الدنيا
ونرفض أن نبدو عليها راشِدينا
قدرٌ أن تنتهي كل المجنَّات في الناس ونبقى ماجِنينا
قدرٌ أن تعرف الدنيا لنا قدرَنا فيها ونبقى جاهلينا
قدرٌ أن يطرحَ الصِّدقُ على حجمنا الضوء ونبقى مدعينا
قدرٌ أن ندَّعي أنَّا صنعنا الضوءَ للناس ونبقى مظلمينا
قدرٌ أن لم يعد يلقى له الزُّورُ في الدنيا سوانا عاشقينا
قدرٌ أنَّا بعاهاتِ التبجُّحِ من كل الأمانات بُرينا
أنَّا مشتاقٌ إلى الكفِّ عن القولِ أنَّا داخلَ الصِّدقِ أُحْتُوينا
وعن القول بأنَّا وحدُنا دون خلقِ اللهِ بالمجد حُظينا
وبأنَّا وحدُنا سِرنا على الأرض إبداعًا وفكرًا وفنونا
أيُّ شيئٍ نحنُ أبدعناه للناس أو كنُّا به يومًا عُنينا
ولإنسانيةِ الإنسانِ ماذا نحنُ أبدعنا وكُنَّا منجزينا
وإذا كُنَّا كما قُلنا فكيف بنا من دون إبداع بقينا
ولماذا سرحَ العقمُ بنا نملءُ الأيام عجزا وجنونا
ولماذا نحن كُنّا خارجَ الخدرِ إشعاعاً وفي الخيمة طينا
ليس عقلاً أبدًا أن تجد المُعجِزَ الخارقَ للعجزِ مدينا
أو تلاقي الهمجيَ الفظَّ يُعطي الهمجياتِ دماثاتٍ ولينا
أَنا مشتاقٌ إلى شيئٍ من الصدقِ أنَّا بالبلاهات أُبْتلينا
ليس حقاً أبداً أنَّا بكلِّ شعاعِ الصدقِ والنبلِ كُسينا
ليس صدقاً أبداً أنَّا على قممٍ يحضنُها الفجرُ ربينا
إننا من بؤرِ الليل أتَينا ومن ثدي الضلالاتِ غُذينا
ومُلئنا بغرورٍ وقحٍ عاجزِ القُدرة فينا أن يلينا
ويلاقي الصدقُ أنَّا لم نكن أبداً في أيِّ يومٍ مُعجزينا
وبأنَّا لم نعش أيامنا نُذهلُ الناس بها بل ذاهلينا
نحنُ عجزٌ مطلقٌ حتى على فَهمِنا للعجزِ لسنا قادرينا
نحنُ سطَّرنا الأساطيرَ ليلبسَها التاريخُ تلفيقًا مُشينا
نحن زوّرنا به أنفسَنا وجعلنا منه كذَّاباً لعينا
صحِّحُوا التاريخَ صُوغوه بصدقٍ ولاتخشوا نقاء الصادقينا
نظِّفوا التاريخَ من تزويرِنا ليرانا فيه قوماً فاضلينا
واذكروا للناسِ أنَّا لم نكن فيه خيراً مطلقاً أو خَيِّرينا
وذكُروا فيه بأنَّا غالباً ما دخلناه إلى الفيئ حنينا
وبأنَّا لم نكُنْ جئنا لنسرحَ إحساناً به أو مُحسنينا
وبأنَّا قد دمغناهُ بأقسى البشاعاتِ وكُنَّا جارمينا
وسبينا فوقَهُ الأعراضِ نفرشها للشبقِ العارمِ فينا
نحن صحراء من التاريخِ في الأرضِ من كلِّ العطاءاتِ قد عرينا
كلُّ ما يحمله الصدقُ لنا أننا كُنَّا غُزاةً فغُزينا
وهو لولا أنَّ في آفاقِنا لهبُ الآبار كنا قد نُسينا
ومن استنبطهُ؟ عقلُ سوانا أم العقلُ الذي كنا حُبينا؟
ومن ابتاعَ وأعطى واستردَ وأضحى عنده المال رهينا؟
وتولى سانداً أو عائداً حنكا يمضغنا زاداً سمينا
ورأنا حذقُهُ رغم لِحانا السودِ والبيضِ عيالاً قاصرينا
كَبُرَ الخزيُ فلا نملكُ إلاَّ جواباً يلعقُ القاعَ مَهينا
وجعي يفتحُ أعماقي ويطرحُ في أعماقها شعباً حزينا
خسِرَ المَربَعَ والمهجعَ والأملَ الآملَ والصَّبر المُعينا
ووعدناهُ وهددناهُ بلا خجلٍ أنََّا سنُحني الغاصبينا
وطرحنا فوقَ أطهارِ المصاحفِ أيدينا وأقسمنا اليمينا
أن نُعيدَ الأمَ والأبناءَ والأب للدارِ ونخزي القاطنينا
وادعى كلُّ هزيلٍ أن في صدره المرجوف ليثاً وعرينا
وتهافتنا هواناً كلَّما سُلِخَتْ أوجهُنا صفعاً بكينا
وانتحبنا في صُراخٍ فاضحٍ ينتهي فينا سكوتاً وسكونا
وإذا كلُّ هزيلٍ هَزَلَ الحرب قد عادت به الحرب بدينا
والدمُ المسفوح صدقاً في المعارك يجري فيه شحما ودهونا
ليتَ أنَّا قد خجلنا مرةً وبأنَّا ذات يومٍ قد خزينا
هذه عجرفةُ الغازين إن فحشت فينا دعونا المنصفينا
نحنُ أوغادٌ فلا نرجو من العدلِ أن يُنصفنا مما لقينا
ومتى أخلاقُهُ قد باركت أوجهاً تبكي وخداً مستكينا
وإذا كُنَّا كما قلنا سيوفاً ألبست تاريخها نصرًا مبينا
فسقوطُ العدلِ أن تؤسيه أدمعُ من يعرفه سيفا ثمينا
ليس في العدل وقاحاتٌ فتحزنها أحزانُ سيفٍ قد أُهينا
لا أرى أي امتحانٍ قد دخلناه لم نُسْقِط به ممتحنينا
ليتنا يومَ هُزَمْنا قد رجعنا على أحقادِنا منتصرينا
لم نحارب بل تحاربنا وسار بنا السوء صغارا حاقدينا
وأتتْ أخلاقُنا النبلَ لتفتحَ في أخلاقه جُرحاً ثخينا
وغدرنا الدمَ والقُربى وطُفنا على الناس بأشلاء أخينا
وحرقنا الكرمَ والأفياءَ والخبزَ والثوب وسترَ الآمنينا
ونسفنا الدورَ فيها كلّ حاضنةٍ أو حامل تؤوي جنينا
وبترنا كلَّ ثديٍ ربما قد رضعنا منه يوماً وروينا
وقطعنا كلَّ أكبادِ اليتامى كما لو أننا نقطفُ تينا
وتركنا الوحشَ فينا مطلقاً لم يجده العقل في يومٍ سجينا
وقياداتُ المذلاتِ التي سرحت تملؤنا ضعفاً مهينا
تشترينا غضباً فينا تُعَلُّمهُ التقوى وصبرَ المتقينا
وتُرينا في مدى القدرةِ محضَ احتمالاتٍ وفي العجزِ يقينا
كم لبثنا نعلن الحرب ضحىً فإذا ما غابتِ الشمس نسينا
وإذا قُلنا كلاماً راعداً جاءَ كذَّاباً وجئنا كاذبينا
هكذا علَّمنا الردةُ والإثمُ والعارُ نفاقَ الخائفينا
فإذا الخزي على أوجهنا لم يدع وجهاً ولم يترك جبينا
ووقفنا حيث شاء الصدقُ في حرب من حاربنا لا حيث شينا
وفقأنا أعينَ الأطفال دمعاً على أحلامهم يذري سخينا
إذا رأونا كذباً أيامهم لبستنا كذبا حتى بلينا
وتهرأنا نكوصاً بشعاً وتحولنا رعاعاً صارخينا
ومشينا صيغةً للإثم يبصقنا الغفران قوما آثمينا
وتمزقنا وقد مات بنا غضبُ الصدقِ وصدقُ الغاضبينا
وتركنا خلفنا مسجدنا وأبحنا خصمنا قبرَ أبينا
هذه كل المرايا فاكسروها فكم تبدون فيها بشعينا
واقرأوا هذا بمقتٍ وأبصقوا كل حرف معكم كان أمينا
وألعنوه وألعنوا الصدقَ به طالما للصدق كنتم لاعنينا
وقطعتُم داخلَ الإظلامِ عمراً وعشتم خارجَ الضوءِ سنينا
وسقطتُم فأدخلوا أجحاركم وانشدوا فيها نشيد الضائعينا