حِينَ يَشِيبُ النَّرْجِسُ فِي حَيِّنَا
وَتَتَبَاطَأُ خُطًى..
لَمْ تَعُدْ تُشْبِهُ خُطَانَا الأُولَى،
نَشْعُرُ...
كَأَنَّ شَيْئًا خَفِيًّا يَنْحَتُ فِينَا...
أَنَّ الرَّوَائِحَ لَيْسَتْ كَمَا كَانَتْ،
وَأَنَّ القُلُوبَ،
لَا تَشِيبُ كَالنَّرْجِسِ فَحَسْب،
بَل تَتَشَقَّقُ بِصَمْتٍ
حَتَّى تَغْدُوَ الرُّؤْيَا أَثْقَلَ مِنَ المَعْنَى...
كَانَ القَلْبُ فِي زَمَنٍ بَعِيدٍ
مِرْآةً لَا تَخَافُ الِانْكَسَارَ،
يُعِيرُ النُّورَ لِكُلِّ مَنْ مَرَّ بِهِ،
وَيَرْجِعُ خَالِيًا مِنَ الخُسْرَانِ،
لِأَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ
أَنَّ المَحَبَّةَ
لَا تُنْقِصُ شَيْئًا.
كَانَ يَكْفِي أَنْ يَمُرَّ صَوْتٌ
حَتَّى يَنْتَفِضَ فِيهِ مَعْنَى،
وَتَكْفِي نَظْرَةٌ
لِتُخَلِّفَ وَطَنًا صَغِيرًا
يَتَنَفَّسُ بَيْنَ اثْنَيْنِ
دُونَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ حُدُودِهِ...
ثُمَّ...
بِتُؤَدَةٍ لَا يُدْرِكُهَا أَحَدٌ،
تَسَلَّلَ الوَهَنُ إِلَى الشُّقُوقِ الصَّغِيرَةِ،
لَا صَوْتَ لَهُ،
وَلَا صُورَةَ،
وَلَكِنَّهُ كَانَ يُعِيدُ تَشْكِيلَنَا
مِنْ دَاخِلٍ...
صِرْنَا نَرَى القَلْبَ
وَهْوَ يَتَعَلَّمُ الحِذْرَ،
يَضَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ العَالَمِ
مَسَافَةً صَغِيرَةً
تَكْبُرُ كُلَّ يَوْمٍ.
أَصْبَحْنَا نَعْبُرُ بَعْضَنَا
كَمَنْ يَعْبُرُ ظِلَّهُ فِي مَرْآةٍ مُغَبَّشَةٍ،
نُحَيِّي دُونَ أَنْ نَصِلَ،
وَنَتَحَدَّثُ دُونَ أَنْ نُقِيمَ سُكْنَى لِلصَّوْتِ...
وَكُلَّمَا ظَنَنَّا أَنَّنَا نَفْهَمُ،
اِزْدَادَ الشَّيْءُ غُمُوضًا،
كَمَا لَوْ أَنَّ الفَهْمَ نَفْسَهُ
أَصْبَحَ طَرِيقًا إِلَى الضِّيَاعِ...
وَحِينَ يَشِيبُ النَّرْجِسُ
لَا يَعُودُ الحُزْنُ صَرِيحًا،
بَل يَتَشَكَّلُ كَنَغْمَةٍ بَعِيدَةٍ
تَصِلُ وَلَا تُكْمِلُ نَفْسَهَا،
كَنَفَسٍ مَكْتُومٍ
يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الرَّغْبَةِ فِي الصُّرَاخِ
وَالخَوْفِ مِنَ الصَّدَى...
هُنَاكَ أَرْوَاحٌ
لَمْ تَعُدْ تُشْبِهُ شَيْئًا إِلَّا صِدْقَهَا،
صَارَتْ أَخَفَّ مِنَ المَرْأَى،
أَثْقَلَ مِنَ الاِحْتِمَالِ...
تُحِبُّ بِدُونِ شَرْطٍ،
تُسَامِحُ كَأَنَّ المَغْفِرَةَ
لَيْسَتْ فِعْلًا بَل نَفَسًا،
وَتَنْكَسِرُ دَاخِلَهَا
دُونَ أَنْ تُخْبِرَ أَحَدًا
أَنَّهَا اِنْكَسَرَت...
صِرْنَا نَعْرِفُ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي
وَنَشْعُرُ أَقَلَّ مِمَّا يُنْقِذُنَا،
كَمَنْ يَحْمِلُ مِصْبَاحًا كَبِيرًا
وَيَمْشِي فِي عَتْمَةٍ أَكْثَفَ مِنْهُ.
وَمَعَ ذَلِكَ…
هُنَاكَ شَيْءٌ لَا يَمُوتُ كُلِّيًّا،
شَيْءٌ يَتَسَلَّلُ فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي
يَشْعُرُ فِيهَا أَحَدُنَا بِآخَرٍ
دُونَ سَبَبٍ...
دُونَ إِشَارَةٍ...
دُونَ وَعْدٍ...
نَفْهَمُ فَجْأَةً
أَنَّ بَيْنَ القُلُوبِ خَيْطًا خَفِيًّا
لَا يَقْطَعُهُ الزَّمَنُ
بَل يُهَدِّئُهُ فَقَط...
وَحِينَ يَشِيبُ النَّرْجِسُ فِي حَيِّنَا
لَا يَكُونُ الجَمَالُ قَدِ انْتَهَى،
بَل صَارَ أَعْمَقَ…
يَعْرِفُ كَيْفَ يَخْتَبِئُ
حَتَّى لَا يُدْرِكَهُ مَنْ يُمَارِسُ النَّظَرَ
دُونَ بَصِيرَةٍ.
وَرُبَّمَا…
فِي مَكَانٍ لَا نَعْرِفُهُ،
تَزَالُ هُنَاكَ قُلُوبٌ
لَمْ تَتَعَلَّمِ الحِذَارَ بَعْدُ،
تَمُرُّ عَلَى بَعْضِهَا
كَأَنَّهَا خُلِقَتْ لِتَفْهَمَ
لَا لِتَنْجُو فَقَط...
وَتَبْقَى السُّؤَالُ الأَخِيرُ مُعَلَّقًا...
هَلْ ضَاعَتِ الرِّقَّةُ فِينَا،
أَمْ أَنَّهَا تَعْرِفُ طَرِيقَ الِاخْتِبَاءِ
أَفْضَلَ مِمَّا كُنَّا نَظُنُّ...