فِي ضِيَافَةِ الأَدَبِ…
دَخَلْتُ
كَفَتَاةٍ تُخْفِي ارْتِبَاكَهَا
تَحْتَ وِشَاحِ الكَلِمَاتِ
وَتُرَتِّبُ أَنْفَاسَهَا
قَبْلَ أَنْ تَنْطِقَ بِاسْمِهَا..
قُلْتُ بِخَجَلٍ...
أَنَا الشِّعْرُ…
زَائِرَةٌ
تَبْحَثُ عَنْ مَقْعَدٍ
لَا يُحَاسِبُ ارْتِعَاشَ الحُرُوفِ...
فَانْفَتَحَ البَابُ
بِهُدُوءٍ يُشْبِهُ الطُّمَأْنِينَةَ
وَاسْتَقْبَلَنِي الأَدَبُ
كَأَبٍ يَعْرِفُ
أَنَّ الضَّيْفَ
يَأْتِي مَحْمُولًا بِأَسْئِلَتِهِ...
قَالَ..
مَرْحَبًا بِكِ…
هُنَا لَا نُرْهِقُ القُلُوبَ
بِالتَّعْرِيفَاتِ
وَلَا نُثْقِلُ الحَرْفَ
بِمَا لَا يَحْتَمِلُ...
تَفَضَّلِي…
هَذَا مَقْعَدٌ مِنْ سَكِينَةٍ
وَهَذَا فِنْجَانُ مَعْنًى
دَافِئٌ…
كَكَلِمَةٍ قِيلَتْ فِي وَقْتِهَا...
جَلَسْتُ…
وَأَنَا أُرَاقِبُ
كَيْفَ تُقَدَّمُ الضِّيَافَةُ
لَا بِالأَشْيَاءِ
بَلْ بِالاحْتِوَاءِ...
كَانَتِ البَلَاغَةُ
تَمُرُّ بِجَانِبِي...
وَتَبْتَسِمُ بِرِفْقٍ...
كَأَنَّهَا تَقُولُ...
لَا تَقْلَقِي…
سَنَفْهَمُكِ
حَتَّى لَوْ تَلَعْثَمْتِ...
يَا لِهَذَا الأَدَبِ…
كَيْفَ يُحْسِنُ الإِصْغَاءَ
كَيْفَ يَتْرُكُ الصَّمْتَ
يَتَكَلَّمُ نِيَابَةً عَنِّي
حِينَ أَعْجَزُ...
مَدَّ إِلَيَّ لُطْفَهُ
كَأَنَّهُ يَمُدُّ بِسَاطًا
تَسِيرُ عَلَيْهِ رُوحِي
دُونَ أَنْ تَتَعَثَّرَ...
قَالَ لِي...
اكْتُبِي كَمَا أَنْتِ
لَا كَمَا يَنْبَغِي
فَالضِّيَافَةُ الحَقِيقِيَّةُ
أَنْ نَمْنَحَكِ
حَقَّ أَنْ تَكُونِي...
أَنَا الشِّعْرُ…
لَكِنَّنِي هُنَا
لَمْ أَكُنْ ضَائِعَةً
كُنْتُ أَتَعَلَّمُ
كَيْفَ أَكُونُ لَائِقَةً
بِمَقَامِ المَعْنَى
كَيْفَ أَضَعُ جُنُونِي
فِي قَالِبٍ
لَا يَجْرَحُ الذَّوْقَ
وَلَا يُطْفِئُ النَّارَ...
فِي ضِيَافَةِ الأَدَبِ
تَعَلَّمْتُ
أَنَّ الرُّقِيَّ
لَيْسَ تَكَلُّفًا
بَلْ رِقَّةٌ فِي التَّعَامُلِ
وَأَنَّ الكَلِمَةَ
يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ
يَدًا حَانِيَةً
تَمْسَحُ تَعَبَ الرُّوحِ...
يَا سَيِّدِي…
يَا بَيْتَ اللُّغَةِ الرَّحْبِ
شُكْرًا…
لِأَنَّكَ لَمْ تَسْأَلْنِي
لِمَاذَا جِئْتُ
وَشُكْرًا…
لِأَنَّكَ عَامَلْتَ فَوْضَايَ
كَأَنَّهَا ضَيْفَةٌ عَزِيزَةٌ...
سَأَرْحَلُ…
لَكِنَّنِي سَأَحْمِلُ مَعِي
دَرْسَ الضِّيَافَةِ
أَنْ أَكُونَ
حِينَ أَكْتُبُ
مُضِيفَةً أَيْضًا
أَسْتَقْبِلُ قَارِئِي
بِلُطْفٍ
وَأُقَدِّمُ لَهُ
قَلْبِي…
بِكُلِّ أَدَبٍ