أوَ أنت هذا؟ لا أصدّقُ ما أرى
مرآكَ من عشبِ النضارةِ أقفرا
فصّل ليَ التاريخَ، كيف تغيّرت
دنياك؟ هذا اللونُ كيف تغيّرا؟
إن المسافةَ بيننا ولّادةٌ
فتعالَ أشعِلْني اعترافًا أخضرا
إني أنا المدنيُّ لكنْ خاطري
لَمَّ الهمومَ الشاحباتِ وأصحرا
ورَدَ البئارَ الغامضاتِ قصيدةً
واندسّ في الكلماتِ معنىً مضمرا
وسرى، وللرملِ المخاتلِ موعدٌ
أن يُطعِمَ الصحراءَ لحمًا أسمرا
في أيّ منعطَفٍ أضاع عيونَه؟
وبأيّ أغوار المتاهِ تدهورا؟
أنفاسُه طارتْ تصفّق فوقه
نَوحًا، وعادت مقلتاه القهقرى
لا شيءَ إلا وحشةٌ مجنونةٌ
نَفَشَتْ ضفائرها، وغولٌ صفّرا
ونُثارُ ريحٍ خلّفت أشلاءَها
بين الحِقافِ، وصوتُ حادٍ لا يُرى
وينامُ، يمتصُّ الظلامُ أنينَه
ويموجُ في الخَطَراتِ كُهّانُ الورى
حتى إذا اندلقَ النهارُ بدا له
ما سرّبته الريحُ من وجَعِ القُرى
وإذا به يجدُ الظما متكوِّمًا
في حضنِه، والموتَ يفترشُ الثرى
متجهِّمَ الرؤيا يُلَمْلِمُ نفْسَه
فيفيضُ في كفَّيه وجهُ الشنفرى
الآنَ تأتنفُ البَسوسُ جنونَها
وتشبُّ للأمواتِ نيرانَ القِرى
والآنَ يُنفضُ عن كُليبٍ قبرُه
وتسُنُّ أظفارُ الوقائع خنجرا
(قف ها هنا) هذا مقالُ محدِّثي
ويضيفُ: (ما شأنُ الجميعِ بما جرى؟)
أوَ كان قوليَ غامضًا فأُبِينَه؟
أوْهَى الحقائقِ ما يجيءُ مُفَسَّرا
إني جَسَسْتُ الرملَ، ألفُ حكايةٍ
في صدرِه اختصرتْ لديَّ الأعصُرا
وثَبَتْ عليَّ من التِّلاعِ مواسمٌ
غبراءُ تُسمِعُني كلامًا أغبرا
وتقيمُ لي من كلِّ وجهٍ غاربٍ
مُزَعًا، وتُلقِمني بكاءً أصفرا
فإذا بوجهيَ في لفيفِ غُضونِه
يمتدُّ ديوانُ النشيجِ مسطّرا
فمحوتُه فأبى وأنبضَ أسطرًا
في حومةِ الشكوى تهدهدُ أسطُرا
هيّئْ لإقبالي عليك تحيّةً
نَفَسًا مريئًا والتفاتًا أخضرا
فلقد نفضتُ على التخومِ مواجعي
ووعدتُ أيامي بألّا أثأرا
وخلعتُ سلطنةَ الجدارِ، نوافذي
كانت بمرسومِ الولايةِ أجدرا
وطَليتُ ذاكرتي بلونٍ ضاحكٍ
وبزغتُ طفلاً بالبراءةِ مُقمِرا
من أجلِ ميلادٍ يلوِّحُ ومضُه
لبسَ القصيدُ لُحونَه وتعطّرا
فالغايةُ الكبرى حديقةُ شمسِه
والغايةُ الصغرى مسامرةُ الذُرا
والشاخصون على صُوى أحلامِه
نالوا من العبَقِ الحميمِ وما درى
عَلِمَ الغمامُ بأن بين ضيوفِه
شوكًا فأغمضَ مقلتيه وأمطرا