غَرِيبُ الْبَدْءِ وَالتَّكْوِينِ
فِي قَبْرٍ مَهِيبِ الصَّمْتِ هَيْكَلَ خَالِقٌ عَظْمِي
كَسَانِي جُثَّةً وَخَرَجْتُ مِنْ كَفَنٍ إِلَى الْأَيَّامِ
مَوْلُودًا خَبِيرًا حَازَ حِكْمَتَهُ
بِشَعْرٍ أَبْيَضٍ فِي الرُّوحِ
حَبْوِي لَمْ يَكُنْ زَحْفًا وَلَكِنْ كَانَ
مِشْيَةَ طَاعِنٍ فِي السِّنِ
مَحْنِيِّ الرُّؤَى وَالظَّهْرِ
لَمْ أَلْعَبْ مَعَ الْأَقْرَانِ
ذُقْتُ مَعَ الْكُهُولِ تَنَدُّرَ الْمَعْنِى عَلَى الْأَيَّامِ
أَدْرَكْتُ الشَّبَابَ وَقَدْ لَفَظْتُ الْعَيْشَ
مُنْتَحِرٌ
وَلَكِنِّي انْتَقَيْتُ وَسِيلَةً أَعْلَى
مِنْ السُّمِّ الَّذِي فِي الْكُوبِ
مِنْ طَلْقٍ عَلَى رَأْسِي
وَمِنْ غَرَقٍ بِقَاعِ النَّهْرِ
عُدْتُ لِغُرْفَتِي وَاخْتَرْتُ أَنْ أَبْقَى
فَمَا أَقْسَى انْتِحَارِيَ بِالْبَقَاءِ!
أَنَا الْبَقَاءُ مُدَخِّنًا سُحُبَ الْفَنَاءِ
حَرَارَتِي مِنْ يَوْمِ مَا اسْتَعْمَلْتُ بَالِي أَرْبَعُونَ
يَدِي طِوَالَ الدَّرْبِ فِي جَيْبِي
وَلَمْ أَلْمِسْ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَكْثَرَهَا
مُنَزَّهَةٌ عَنِ الْحَاجَاتِ إِلَّا أَنَّهَا
كَتَبَتْ وَأًشْعَلَتِ السِّجَارَةَ
طَاقَتِي كَهْرُ اكْتِئَابٍ مَائِجٍ فِي اللَّيْلِ
قَلْبِي لَا يَضَخُّ سِوَى الْمَرَاثِي فِي شَرَايينِي
وَذَاكِرَتِي عَلَى أَنْقَاضِ مَشْيَخَةٍ تُوَاصِلُ دَمْعَهَا
وَيَقُولُ عَرَّافٌ تَفَرَّسَ فِي رُعَاشِ يَدِي:
سَتَدْخُلُ بَطْنَ أُمِّكَ فِي النِّهَايَةِ مَيَّتًا
فَيَزِيدُنِي شَكًّا
بَأَنِّي قَدْ مَشَيْتُ الْعُمْرَ مِنْ مَوْتِي لِمِيلَادِي!
أَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا
كَفَصْلٍ فِي الرِّوَايَةِ زَائِدٍ
خَطَّ الْمُؤَلِّفُ دُونَ أَسْبَابٍ بِدَايَتَهَ وَمَاتَ
فَوَرَّطَ الْأَحْدَاثَ فِي مِئَةِ احْتِمَالٍ
لَسْتُ أَكْرَهُنِي وَلَسْتُ أُحِبُّنِي
هَذَا لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُنِي
فَقَدْ نَسِيَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّنِي فَوْضَى مَشِيَئتِهِ
وَلَمْ يَكْتُبْ مُسَوَّدَةً لِأَبْعَادِي
أُجَمِّعُنِي أَنَا بِيَدَيَّ!
مِن طَيِّ الْقُصَاصَاتِ الَّتِي بَقِيتْ بِسَلَّتِهِ
وَلَا أَرْجُو مِنَ الدُّنْيَا سِوَى قَلَمٍ
لأَضْبِطَ هَنَّةَ الْجَدْوَى
وَأَشْطُبَ بَعْضَ أَصْفَادِي