بَصَّ الْكَلَامُ عَلَى الدُّنْيَا
تَخَيَّلَ لَوْ صَارَتْ لَهُ قَدَمٌ يَمْشِي بِهَا وَيَدُ
فَكَانَ شَيْخًا عِرَاقِيًّا
أَرِيكَتُهُ حَطَّ الْمِدَادُ عَلَيْهَا وَاسْتَوَى الْمَدَدُ
صَلَّى الْعِشَاءَ صَلَاةَ الْمُكْتَفِي،
بَسَطَ الْمَسَاءَ مَكْلَمَةً؛
طُلَّابُهُ احْتَشَدُوا
تَرَبَّعَ الْحَظُّ مَسْرُورًا بِهِ
وَحَكَى عَنْ ظَبْيَةٍ لَمْ يُدَنْدِنْ خَمْرَهَا أَحَدُ
وَبَاحَ رَمْلٌ شَرِيفٌ بِالَّذِينَ مَشَوْا
وَهُمْ حُفَاةٌ خِفَافٌ بِالسَّمَا انْفَرَدُوا
وَاسْتَطْرَدَ النَّهْرُ .. قَالَ: الْعَاشِقُونَ ثَرَى
سِيمَاهُمُ زَفْرَةٌ تَعْلُو إِذَا وَرَدُوا
وَفَضْفَضَ الْمِنْجَلُ التَّعْبَانُ،
وَامْتَدَحَ الْبِرْسِيمُ رَكْعَةَ شَمْسٍ رَبُّهَا صَمَدُ
شَيْخًا بِهِ دَوْرَقٌ زَاهٍ يَصُبُّ سَلَامًا فَاخِرًا
وَبَرَاحًا كُلُّهُ بَرَدُ
تَلَا عَلَى الْأَرْضِ شِعْرًا مُؤْمِنًا
فَغَفَتْ سَعِيدَةً وَاطْمَأَنَّتْ حَيْثُ طَابَ غَدُ
تَكَلَّمَتْهُ الشَّبَابِيكُ الْخَجُولَةُ،
وَالْحِصَانُ، وَالدُّفُّ، وَالْبِطِّيخُ، وَالزَّبَدُ
وَقَلَّدَتْهُ فَرَاشَاتٌ
إِذَا لَمَحَتْ ضَوْءًا يَضُمُّ جَمَالِيِّينَ تَتَّحِدُ
وَشَافَهُ الْبَطُّ يَمْشِي زَاهِدًا فَدَنَا
وَقَالَ: خُذْنِي لِبَطْنٍ فِيكَ تَجْتَهِدُ
شَيْخًا يَمُرُّ كَأَنْ حُرِّيَّةً بَزَغَتْ
الشَّمْعِدَانَةُ رُوحٌ وَالنَّدَى جَسَدُ
يُعَامِلُ النَّاسَ أَقْمَارًا
إِذَا انْطَفَأُوا يَبْكِي،
وَيَلْمَعُ فَرْحَانًا إِذَا اتَّقَدُوا
يُؤَدِّبُ الضَّوْءَ
يَا لِلضَّوْءِ وَهْوَ صَبِيٌّ فِي حَضَانَتِهِ الْخَضْرَاءِ يُنْتَقَدُ!
يُعَنْعِنُ الْغَيْثَ إِذْ يَرْوِي الْبِشَارَةَ
عَنْ عُصْفُورَةٍ عَنْ سَحَابٍ عَنْ ضُحَى يَعِدُ
يَرَى الزُّهُورَ فِدَائِيِّينَ عِطْرُهُمُ دَمٌ
فَلَيْسَ حَزِينًا إِنْ هُمُ صَعِدُوا
وَلَيْسَ يَمْدَحُ سُلْطَانًا وَلَا بَلَدًا
بَلِ الْقُلُوبَ الَّتِي أَخْلَاقُهَا بَلَدُ
وَلَا يَقُولُ:
رَقَصْنَا وَالْهَوَى كَبَدٌ
لَكِنْ يَقُولُ:
قَرَأْنَا وَالْمَدَى كَبَدُ
بَغْدَادُ يَا صَاحِبِي فِي الْخُلْدِ
كَيْفَ هَوَتْ عَلَى التُّرَابِ سَمَاءٌ
وَانْثَنَى الْأَبَدُ؟!
وَكَيْفَ رُعْبًا تَبُولُ الْأُغْنِيَاتُ
وَعَقْرَبٌ عَلَى يَاسَمِينٍ بَاسِمٍ تَلِدُ؟!
وَكَيْفَ فَرْفَرَ مِصْبَاحٌ
وَدَاخَ قُرَنْفُلٌ
وَلَفَّ عَلَى رِيشِ الْفَتَى مَسَدُ؟!
تَحْتَ الْحُطَامِ حَلِيبٌ لَمْ يَذُقْهُ فَمٌ
وَفِكْرَةٌ لَمْ يُصَافِحْ نُورَهَا خَلَدُ
اُنْظُرْ
فَذِي نَخْلَةٌ مَرْعُوبَةٌ نَهَبَ الْخُفَّاشُ تَمْرَتَهَا
وَالْفُلُّ مُرْتَعِدُ
وَالْبِنْتُ مَاتَتْ وَلَمْ يَطْلُعْ لَهَا عِنَبٌ
وَلَا تَغَزَّلَ فِي نَعْنَاعِهَا وَلَدُ
كَأَنَّ سُوسًا عَلَى الْإِبْدَاعِ يَنْخَرُهُ
حَتَّى أَذَلَّتْ لِسَانَ الْبُلْبُلِ الْعُقَدُ!
مِنَ الظَّلَامِ أُنَاسٌ
كُلَّمَا لَمَسَ الْحَيَاةَ صُبْحٌ لَطِيفٌ مَسَّهُمْ نَكَدُ
وَسُنَّةُ الشَّرِّ أَنْ لَوْ شَاخَ
سَاوَمَنَا عَلَى سَنَابِلِنَا أَوْلَادُهُ الْجُدُدُ!
وَأَنْتَ يَا صَاحِبِي بَابُ الْإِنَارَةِ مَفْتُوحًا
وَيُشْرِقُ مِنْ أَلْمَاسِهِ الرَّغَدُ
لَمَّا دِيَارُكَ سَاحَ الزَّعْفَرَانُ بِهَا
تَنَفَّسُوكَ
وَفِي حُلْقُومِهِمْ حَسَدُ
حِقْدًا عَلَى نَخْوَةٍ فَلَّاحَةٍ
هَمَسُوا فِي النَّاسِ:
لَابُدَّ طَاوٍ نَخْلَهَا أَمَدُ
وَسَلْسَلُوكَ
وَلَكِنْ خَيْلُكَ انْفَجَرَتْ
وَزَلْزَلُوكَ
وَلَكِنْ طِينُكَ الْوَتَدُ
وَشَيْطَنُوكَ
فَدَبَّتْ فِيكَ بَسْمَلَةٌ
وَفَتَّشُوكَ
فَمَا غَيْرَ السَّمَا وَجَدُوا