خير افتتاح حمدُ ذي الآلاء
مُولى المواهب ايما إيلاء
أنعامه عم البرية كلها
ما خص بعض الناس بالنعماء
قسم الهبات فنال بعض حظهم
مالا وعدوا المال خير حباء
والبعض كان نصيبهم علماً وقد
حمدوا الذي أعطى على الأعطاء
وسعت جميع الكون رحمة راحم
هو في الحقيقة أرحم الرحماء
إن أنت لم تلجأ إليه خبطت في
تيه الحياة كنافة عشواء
وإذا التجأت أراك خير محجة
وبدا سبيلك في وضوح ضياء
فتسير فيه آمناً يهديك من
مولاك نور فاق نور ذُكاء
ما ضل من جعل الإله دليله
وملاذه في الليلة الليلاء
فهو الطريق فسر يظلك ظله
وهو الهدى فاقصده لاستهداء
وهو الكريم إذا التمست مكارماً
وهو العظيم سما على العظماء
فاضرع إليه من الصميم فإنه
للمخلصيني يجيب كل دعاء
قومي الكرام تحية وتجلة
يا معشر الأدباء والعلماء
أنتم وأيم الحق صفوتنا الألى
تعتز مصر بكم على الدنياء
أنتم بناة المجد قد رفعت له
يدكم صروحا فقن كل بناء
أنتم فخار العلم أصبح شأنه
بكمو يزاحم منكب الجوزاء
أنتم رياض الفضل مزهرة لنا
وأريجها كالمسك في الإرجاء
لا تُخذل الآداب ما دمتم لها
في شرقنا من أكبر النصراء
يهدي إليكم كل سفر يحتوي
علماً لداء الدهل خير دواء
وبكم ينشط كاتب لم يذخر
مجهوده لافادة القراء
وبكم يجازي عامل أضنى القوى
في خدمة الأوطان خير جزاء
أو شاعر زف الخرائد آملا
أن تمنحوها المهر حسن لقاء
وبوده لو صادفت أقواله
أذنا تمنّ عليه بالإصغاء
تصفي إلى شعر به الرحمن قد
أوحى إلينا أيما إيحاء
فالشعر أبلغ خطبة تلقى على
أسماعنا من أبلغ الخطباء
والشعر حكمته كبيت قصيده
تبقى بقاء الدهر دون عفاء
والشعر يحيى المائتين بمدحه
ويميت أحياء بسيف هجاء
والشعر ينشر ما طواه الدعهر من
عبر يرددهن كالأصداء
لولاه ما اشتهرت مفاخر من مضى
من عبقريّ جلّ في النبلاء
أو أريحيّ بالمكارم والندى
جادت يداه على أخي استجداء
أو لوذعيّ كان قطب زمانه
لجأت إليه الناس لاستفتاء
لولاه لانسدل الستار على الألى
رفعوا عماد الفضل في الخلفاء
وعلى الألى في شعرهم أو علمهم
نبغوا فسُمي البعض بالأمراء
أو من قصائدهم أدامت ذكرهم
طول المدى حياً على الغبراء
مثل الفرزدق أو حبيب وأحمد
وجرير أو عمرٍ أو الخنساء
لولاه لم تذكر فعال عواهلٍ
بمدائح وقصائد عصماء
أثنى القريض على ملوك حولوا
جدباء مقفرة إلى خضراء
أفعالهم قد عطرت أسماءهم
أكرم بذي الأفعال والأسماء
فالشعر صورهن أجمل صورة
وإطارها ما شئت من إطراء
لولاه ما رسمت لنا آثار من
فسطاطهم رفعوه في الصحراء
يبقى القريض لناظيمه صحائفاً
بيضا زهت كالدر أي زهاء
فينيلهم في ذي الحياة وبعدها
أسنى كَساً يزري بألفِ كساء
إن كان يخلو المرء من أدب فلا
يحلو بثوب فاخر ورداء
والشعر يدفع للسخاء معاشراً
منعوا أياديهم عن الإسداء
ولكم حريص خوف لذع هجائه
أجدى ولم نعهده ذا أجداء
والشعر ينهض من ونى في همة
فيجد كل الجد بعد وناء
ويهز كل فتى لدفع ملمة
كالأبل نشطها رقيق حداء
هو بلسم لجراحنا في خطبنا
ولقلبنا كم فيه من تأساء
والشعر يبعث في الجبان شجاعة
فتخاله كالليث في البيداء
والشعر إن بذر السلام فإنما
تنمو بذور السلم خير نماء
فلكم معارك قد أسال نجيعها
بأسنة ولوامع بيضاء
بينا تراه رسول سلم تارة
الفيته أخرى رسول عذاء
لكننا نرجو به غرس الولا
في كل صدر تحت جو صفاء
وكفى قلوب الخلق في الأوطان ما
فعلت بهن عوامل الشحناء
فعسى تحوز رضى الأنام قصائدي
ورضى الكرام مفاخر الشعراء
لا أدّعي صفة الكمال فلست في
شعري من الفصحاء والبلغاء
فإذا زللت فارتجي أن تصفحوا
وتقابلوا الهفوات بالأغضاء