أَمِنْ ذِكْرِ أَطْلالٍ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ
شَجاكَ بُكاءُ الصَّادِحِ المُتَغَرِّدِ
شَجاكَ بُكاءٌ مِنْ حَمامٍ بَكَى عَلَى
قَوامٍ مِنَ الأَغْصانِ غَيْرِ مُخَضَّدِ
حَمامٌ عَلَى الأَغْصانِ يَهْتِفُ وَالدُّجَى
يَتِيهُ بِشُهْبٍ فِي السَّماواتِ رُكَّدِ
يُرَتِّلُ لَحْناً بَعْدَ لَحْنٍ كأَنَّهُ
يَصِيحُ بِلَفْظِ الرّاهِبِ المُتَهَجِّدِ
شَدا وَنَسِيمُ الرِّيحِ يَجْرِي فَلَمْ يَزَلْ
مَتَى يَهْفُ بِالأَغْصانِ يَشْدُ وَيُنْشِدِ
وَذَكَّرَنِي عَصْراً لُيَيْلاتُهُ مَضَتْ
بِعَهْدٍ هَنِيءِ العَيْشِ غَيْرِ مُنَكَّدِ
لَيالِيَ أَغْدُو فِي الشَّبابِ فَأَطَّبِي
بِشَرْخِ شَبابِي كُلَّ أَلْعَسَ أَغْيَدِ
وَإِذْ أَنا مَسْمُوعُ الأَمارَةِ وَالدُّعا
لَدَى البَهْكَناتِ البِيضِ وَالدَّهْرُ مُسْعِدِي
وَحَظِّي مَعَ البِيضِ الكَواعِبِ أَبْيَضٌ
مُضافٌ إِلَى لَوْنٍ مِنَ الشَّعْرِ أَسْوَدِ
أَرُوحُ وَأَغْدُو فِي الشَّبِيبَةِ ساحِباً
ذُيُولَ التَّصابِي لابِساً حُلَّةَ الدَّدِ
وَأَسْرَحُ ذَوْدَ اللَّحْظِ ما بَيْنَ خُرَّدٍ
مِنَ الحَيِّ أَمْثالِ الجَآذِرِ نُهَّدِ
وَشَمْسِ نَهارٍ تَحْتَ لَيْلٍ بَدَتْ عَلَى
قَضِيبٍ رَطِيبٍ ناعِمٍ مُتَأَوِّدِ
تَعَمَّدْتُها بِالضَّمِّ لَيْلَةَ زُرْتُها
فَكانَ شِفائِي عِنْدَ ذاكَ التَّعَمُّدِ
وَقَبَّلْتُ صُدْغَيْ رأْسِها فَتَمايَلَتْ
عَلَيَّ بِجِيدٍ بِاللُّجَيْنِ مُقَلَّدِ
وَقَدْ سَمَحَتْ لِي مِنْ مُجاجَةِ رِيقِها
بِأَعْذَبَ مِنْ ماءِ الغَمامِ وَأَبْرَدِ
رُضابٌ إِذا حاسَيْتُهُ كانَ بَرْدُهُ
مُشِبًّا لِجَمْرِ اللَّوْعَةِ المُتَوَقِّدِ
مُهَفْهَفَةٌ غَيْداءُ طاوِيَةُ الحَشا
بَرُودُ الثَّنايا بَضَّةُ المُتَجَرَّدِ
تَلُوحُ كَمِثْلِ الشَّمْسِ خَلْفَ غَمامَةٍ
إِذا لاحَ مِنْها الوَجْهُ مِنْ خَلْفِ بُرْجُدِ
يَكِلُّ لَدَى أَلْحاظِها السَّيْفُ مَضْرِباً
وَيَخْجَلُ مِنْها الغُصْنُ عِنْدَ التَّأَوُّدِ
فَتِلْكَ الَّتِي قَدْ هِمْتُ مِنْها صَبابَةً
وَعاصَيْتُ فِيها عاذِلِي وَمُفَنِّدِي
وَلا عَجَباً إِنْ ذُبْتُ نَفْساً وَمُهْجَةً
بِها وَخَلَعْتُ الآنَ ثَوْبَ التَّجَلُّدِ
فَقَدْ مَضَتْ الأَسْلافُ قَبْلِي وَإِنَّنِي
بِهِمْ فِي مَيادِينِ الصَّبابَةِ مُقْتَدِ
وَلَمْ أَنْسَها يَوْمَ النَّوَى حِينَ وَدَّعَتْ
وَداعَ كَئِيبٍ مُشْفِقٍ مُتَوَدِّدِ
وَمُذْ أَيْقَنَتْ مِنِّي عَلَى كَوْنِ عِلْمِها
رَحِيلاً لِعِلْمٍ بِاليَقِينِ مُؤَكَّدِ
وَلَمْ تَدْرِ مِنِّي ما الإِيابُ وَما اللِّقا
يَكُونُ وَلَمْ أَضْرِبْ لَها وَقْتَ مَوْعِدِ
تَداعَتْ غَراماً بِالبُكا وَتَشَبَّثَتْ
بِقائِمِ سَيْفِي وَاحْتَوَتْ يَدُها يَدِي
وَلاذَتْ بِأَعْطافِي وَقَدْ سالَ دَمْعُها
عَلَى وَرْدَةٍ مِنْ خَدِّها المُتَوَرِّدِ
وَقالَتْ إِلَى أَيْنَ الرَّحِيلُ فَقُلْ لَنا
فَدَيْناكَ بِالآباءِ مِنْ قَبْلِ نَفْتَدِي
فَقُلْتُ إِلَى الزَّاكِي أَبِي العَرَبِ الفَتَى
سُلالَةِ سُلْطانِ بنِ مالِكِ مَقْصَدِي
جَوادٌ يَرَى أَنَّ السَّماحَةَ سُنَّةٌ
لَهُ لَحِقَتْ مِنْهُ بِسُنَّةِ أَحْمَدِ
يَقُودُ إِلَى وُفَّادِهِ كُلَّ سابِحٍ
وَكُلَّ أَمُونِ الظَّهْرِ وَجْناءَ جَلْعَدِ
هَمَى مُزْنُ كَفَّيْهِ بِمُنْبَجِسِ النَّدَى
فَأَيْسَرَ مِنْهُ كُلُّ عافٍ وَمُجْتَدِ
تَتِيهُ بِهِ أَيَّامُهُ وَعُصُورُهُ
إِذا ماسَ فِي بُرْدَيْ ثَناءٍ وَسُؤْدَدِ
تُلاثُ فُضُولُ البُرْدِ مِنْهُ إِذا انْتَدَى
بِأَسْمَحَ مِنْ كَعْبِ الإِيادِي وَأَجْوَدِ
وَأَشْهَرَ مِنْ أَوْسِ بنِ سَعْدٍ وَخالِدٍ
وَأَحْكَمَ مِنْ قُسٍّ وَعَمْرو بْنِ مَرْثِدِ
فَيا سائِلاً عَنْهُ فَهذِي فَعالُهُ
مَدَى الدَّهْرِ عَنْهُ فاسْأَلْ إِنْ شِئْتَ وَازْدَدِ
وَعَظِّمْهُ تَعْظِيماً تُحِيطُ بِشأْنِهِ
إِذا ما تَجَلَّى وَهوَ فِي الدَّسْتِ مُنْتَدِ
وَقَبِّلْ تُرابَ الدَّسْتِ وَالْثِمْ بِساطَهُ
وَطأْطِىءْ لَهُ بالرَّأْسِ فِي الدَّسْتِ وَاسْجُدِ
أَبا مالِكٍ لَوْلاكَ ما جِيتُ مُسْرِعاً
تَرُوحُ بِيَ الحَرْفُ الأَمُونُ وَتَغْتَدِي
أَلَمْ تَرَ أَنِّي قَدْ أَطَلْتُ إِقامَتِي
وَشارَفْتُ مِنْكَ الآنَ أَعْذَبَ مَوْرِدِ
وَلَسْتُ بِمَلاّلٍ لِطُولِ إِقامَتِي
لَدَى مَشْهَدٍ يَعْلُو عَلَى كُلِّ مَشْهَدِ
وَلَكِنَّنِي عَهْدِي بِأَهْلٍ وَأَفْرُخٍ
وَحُكْمُ النَّوَى فِيهِمْ يَجُورُ وَيَعْتَدِي
فَيا طُولَ وَجْدِي يَوْمَ كُنْتُ رَأَيْتُهُمْ
يَطُوفُونَ فِي وَقْتِ الوَداعِ بِمَقْعَدِي
يَطُوفُونَ بِي خَوْفَ النَّوَى وَجُفُونُهُمْ
تَسِحُّ بِدَمْعٍ واكِفِ العَيْنِ مُنْتَدِ
فَلَوْ لَمْ أُعَلِّلْهُمْ بِذِكْراكَ خِيفَةً
هُنالِكَ مِنْ كُثْرِ البُكا وَالتَّنَهُّدِ
لَما بَرِحُوا يُشْجُونَ مَنْ كانَ حَوْلَهُمْ
بِصَوْتٍ شَجِيٍّ بِالبُكا مُتَرَدِّدِ
فَهَبْنِيَ مِنْكَ الفُسْحَ عَلِّي إِلَيْهِمُ
أَؤُوبُ بِيُسْرٍ حادِثٍ مُتَجَدِّدِ