تخطَّ إلى المحتوى

أقف على ما خلف الدهر من سكني

غير معروف

٢٦ بيت

المتفرقات

أقِفُ على ما خلّفَ الدهرُ من سُكَني

كأنَّني في فلاةِ العمرِ مُنخَذِلُ

أُنادِيُ الأيامَ الأولى فتُعرضُ لي

ولا يُجيبُ صدىً إلا الذي يَخِذِلُ

أينَ البيوتُ التي كانتْ تُظلِّلُنا

وأينَ صوتُ أبي في الليلِ مُشتعِلُ

كانَ الزمانُ إذا ما ضاقَ مُتَّسَعًا

بكفِّهِ، وإذا ما ثارَ مُعتَدِلُ

حتى مضى، فغدا الميزانُ مُختلِفًا

كأنَّ كلَّ الذي في الأرضِ مُختلِلُ

وأمِّيَ النورُ في عيني إذا خَفَتَتْ

خطى الليالي، وكانتْ حينَها الأملُ

غابتْ، فصارَ نهارُ العمرِ مُظلمَةً

كأنَّهُ قبلَ شمسِ الروحِ مُكتملُ

فاجتمعَ الفقدُ في قلبي على وَهَنٍ

كأنَّ صدريَ من نيرانِهِ شُعَلُ

أمشي وأبحثُ عن ظلٍّ ألوذُ بهِ

فلا ظلولٌ، ولا في الأرضِ مُعتدَلُ

كأنَّني قطعةٌ في الريحِ مُنطلِقٌ

لا الأرضُ أرضي ولا في الكونِ مُعتَصَلُ

أُحادثُ الذكرَ، هل يبقى لنا سَكَنٌ

بعدَ الرحيلِ، أمِ الإنسانُ مُرتحِلُ

فيُخبرُ القلبُ أنَّ العمرَ مدرسةٌ

فيها الفراقُ، وفيها الجرحُ مُكتَمِلُ

وأنَّ ما كانَ من حُبٍّ نُعانِقُهُ

لا ينتهي حينَ يفنى الجسدُ المُثَقَلُ

بل يبقى الحبُّ معنىً لا يُفارِقُنا

كأنَّهُ في شغافِ الروحِ مُنتَقِلُ

أبَيَّتُ أسألُ: أينَ الأهلُ إن رحلوا؟

فكلُّ شيءٍ جوابُ الصمتِ مُرتَحِلُ

أهذا الزمانُ يُعيدُ النقصَ في خَلَدي؟

أم أنَّ في النفسِ بابًا لا يُغْتَفَلُ

أم أنَّ في الفقدِ معنىً ليس نعرفُهُ

حتى نصيرَ لهُ رغمَ الأسى حَمَلُ

يا ربُّ إن كانَ في الفقدِ الذي نزلَتْ

أسرارُ لطفِكَ، فالقلبُ الذي يَصِلُ

فاجعلْ بقلبي سكونًا بعدَ عاصفةٍ

فإنَّ قلبي من الأحزانِ مُشتعِلُ

قد علّمتني الليالي أنَّ ما ذهبوا

لم يذهبوا، بل بقلبي ظلُّهم نَزَلُ

فصارَ وجهي وإنْ ضاقَ الزمانُ بهِ

يحملُ ملامحَ من في الروحِ مُتَّصِلُ

أبكيهما، لا كفقدٍ ينتهي أبدًا

لكن كنبعِ حياةٍ فيهِ يكتملُ

فكلُّ فقدٍ يَصوغُ النفسَ مُختلفةً

حتى تصيرَ بما قد ذاقَتْ تُحتَمَلُ

وإنني اليومَ أفهمُ بعدَ مُنقلبٍ

أنَّ الحياةَ فِراقٌ ثمَّ مُنتَقَلُ

وأنَّ في كلِّ قلبٍ بابَ غيبتهِ

لا يُغلقُ البابُ حتى يُفتحَ الأجَلُ

فالحمدُ للهِ في سرٍّ وفي علنٍ

على قضاءٍ بهِ الإنسانُ يُكتمَلُ