أُجَرِّعُ قلبي الصبرَ حتّى كأنّني
سُقِيتُ دماً من صخرةٍ تتجلَّدُ
وأمضي وفي عينيَّ عزمٌ كأنّهُ
سَنا البرقِ لا يخبو إذا الليلُ أرعدُ
أُداري جراحَ النفسِ لا خوفَ ذلّةٍ
ولكنَّ بعضَ الجرحِ بالصمتِ يُخلَدُ
تعلّمتُ أنَّ المجدَ ليس بزينةٍ
ولكنْ بما تبقى المآثرُ يُقصَدُ
فلا المالُ يبقى إن تباهى بصاحبٍ
ولا الحسنُ إن جارَ الزمانُ المكدَّدُ
ولكنّها نفسٌ إذا رامَ مجدَها
طِلابُ العُلا، فوقَ المحالِ تسيَّدوا
إذا ضاقَ دربي لم أقلْ: ضاقَ موطني
فكم أنجبتْ رحمُ الشدائدِ سيّداً
وكم من فتىً دانتْ له الأرضُ برهةً
فلما بغى أرداهُ ما كانَ يُمهدُ
رأيتُ الورى: وجهاً يُبشُّ تلوُّناً
ووجهاً إذا جارَ الخطوبُ يُجرَّدُ
فلا تُكثروا مدحي فإنيَ عالمٌ
بأنَّ ثناءَ الناسِ داءٌ يُفسِّدُ
وما كنتُ أرضى أن أعيشَ مذبذباً
إذا الريحُ مالتْ مالَ حيثُ تُبدِّدُ
سأبقى وإن ضاقتْ عليَّ مسالكي
عزيزَ الخطا، حرَّ الجبينِ، مؤيَّدُ
أشدُّ على قلبي إذا هبَّ خوفُهُ
كما شُدَّ عضبٌ في الكريهةِ مُغمَدُ
ولي همّةٌ لو قيسَ صخرٌ بعزمِها
لذابَ، ولو ناطحتُ نجماً لأصعدُ
أحبُّ المعالي لا رياءً ولا هوىً
ولكنَّ أهلَ المجدِ بالمجدِ يُخلَدوا
وما الناسُ إلا عابرونَ، وإنّما
بقاءُ الفتى ذِكرٌ كريمٌ وسؤددُ
إذا سقطتْ حولي الوجوهُ تكسّراً
وقفتُ كأنّي للشدائدِ مرصدُ
أقولُ لنفسي كلّما هبَّ عاثرٌ:
ثباتُكِ أولى، فالشدائدُ تُحمَدُ
فكم عثرةٍ كانتْ لمجدٍ مقدّماً
وكم محنةٍ من بطنِها العزُّ يُولدُ
أرى الحزنَ أحياناً يمرُّ بخافقي
ولكنَّهُ عندَ الكبرياءِ يُشرَّدُ
لأنّي عرفتُ اللهَ حقَّ معرفةٍ
ومن عرفَ المولى عنِ الذلِّ يبعدُ
فلا اليأسُ يُغويني، ولا الخوفُ مُوهنٌ
إذا اضطربتْ حولي الخطوبُ وأرعدوا
أنا ابنُ يقينٍ لا يبيعُ كرامةً
ولو مُلِّكَ الدنيا العريضةَ أجمعوا
إذا متُّ يوماً فاذكروني بعزّةٍ
فخيرُ الورى حرٌّ يعيشُ ويُفقَدُ
ولا تذكروني بالنحيبِ فإنّني
أخافُ على وجهِ المروءةِ يُفسَدُ
ولكنْ قولوا: مرَّ من هاهنا فتىً
أبى الضيمَ حتّى غيَّبتهُ الملاحدُ
إذا ما دُعي للمكرماتِ رأيتُهُ
يُجيبُ، وإن عزَّ الرفيقُ المفنَّدُ
خفيفٌ على ظهرِ الكريهةِ وقعُهُ
وفي الحربِ ليثٌ بالمنايا يهدِّدُ
رأى المجدَ باباً لا يُنالُ براحةٍ
فشمَّرَ حتّى كلَّ منهُ السواعدُ
ولم يرضَ بالدنيا إذا هي أقبلتْ
بذلٍّ، فكم أغرى النفوسَ التودُّدُ
إذا قيلَ: هذا الدهرُ جارَ بأهلِهِ
تبسَّمَ، فالحرُّ الكريمُ يُجلِّدُ
يُقيمُ على جمرِ المصائبِ ثابتاً
وفي قلبهِ نورُ اليقينِ الموحَّدُ
كأنَّ المعالي خُلقتْ لاقتنائهِ
وكأنَّ يدَ الإحسانِ منهُ تولَّدُ
إذا خانَهُ قومٌ تضاحكَ ساخطاً
كأنْ لم يكنْ بينَ الضلوعِ توجُّدُ
لأنَّ الذي باللهِ يسمو فؤادُهُ
تصاغرَ عندَ العينِ ما يتوعَّدُ
وما المجدُ تيجانٌ تُرصُّ بزخرفٍ
ولكنَّهُ صبرٌ وعزمٌ وسؤددُ
وما الناسُ إلا بينَ عبدٍ لشهوةٍ
وحرٍّ إلى العليا بروحِهِ يصعدُ
فإن سألوا عنّي الزمانَ فإنّهُ
سيشهدُ أنّي ما انحنيتُ وأشهدُ
وأنّي إذا ما الليلُ مدَّ رداءَهُ
أضاءتْ خطايَ العزمُ وهو تجلُّدُ
وأنّي حملتُ العمرَ والقلبُ مثقلٌ
ولكنّني فوقَ الجراحِ أُغرِّدُ
فلا العسرُ يطويني، ولا الحزنُ مُطفئٌ
ضياءَ فؤادٍ باليقينِ يوقَدُ
سأمضي وإن طالَ الطريقُ فإنّني
أرى آخرَ الآلامِ فجراً يُجدَّدُ
وإن ضاقَ صدري بالدروبِ فإنّ لي
إلى اللهِ قلباً بالرجاءِ مُقلَّدُ
فيا ربِّ ثبّتني إذا هبَّ زلزلٌ
فأنتَ لمن يرجوكَ حصنٌ ومقصدُ
وخذْ بيدِيَ الضعفاءِ إنْ أثقلتْ خطىً
فما خابَ عبدٌ بالرحيمِ توسَّدُ
فإنّي رأيتُ المجدَ أصدقَ شاهدٍ
بأنَّ الفتى باللهِ يسمو ويسعدُ