أقِفُ على ما خلّفَ الدهرُ من سُكَني
كأنَّني في فلاةِ العمرِ مُنعزِلُ
أُنادي الأيامَ الأولى فتُعرضُ لي
ولا يُجيبُ سوى صمتٍ يُثقِلُ
أينَ البيوتُ التي كانت تُظلِّلُنا
وأينَ صوتُ أبي في الليلِ يشتعلُ
كان الزمانُ إذا ما ضاقَ مُتَّسعًا
بكفِّهِ ، وإذا ما ثارَ يعتدلُ
حتى مضى فغدا الميزانُ مضطربًا
كأنَّ كلَّ الذي في الأرضِ يختلُ
وأمِّيَ النورُ في عيني إذا خفَتَتْ
خطى الليالي ، وكانتْ موئلي الأملُ
غابت ، فصار نهارُ العمرِ في غسقٍ
كأنَّهُ دونَ شمسِ الروحِ مُقْفِلُ
فاجتمع الفقدُ في قلبي على وَهَنٍ
كأنَّ صدري بنارِ الحزنِ يشتعلُ
أمشي وأبحثُ عن ظلٍّ ألوذُ بهِ
فلا ظلالٌ ، ولا في الأرضِ مُؤتمَلُ
كأنني في مهبِّ الريحِ منكسِرٌ
لا الأرضُ تُبقيني ولا الدربُ مُوصَلُ
أحادثُ الذكرى : هل يبقى لنا وطنٌ
أم أنَّ دربَ الورى بالبعدِ ينفصلُ
فيُخبرُ القلبُ أن العمرَ مدرسةٌ
فيها الفراقُ ، وفيها الوجدُ مُعتقَلُ
وأنَّ ما كانَ من حبٍّ نُعانقُهُ
يبقى وإن وارى الترابَ المُثَقَلُ
بل يبقى الحبُّ سرًّا في جوانحِنا
كأنَّهُ في شغافِ الروحِ مُرتحِلُ
أبيتُ أسألُ : أين الأهلُ إن رحلوا
فكلُّ صوتٍ سوى الذكرى يضمحلُ
أهذا الزمانُ يعيدُ النقصَ في خلدي
أم أنَّ في النفسِ بابًا لا يُغتَفَلُ
أم أنَّ في الفقدِ معنىً لا نُحِسُّ بهِ
حتى يُهذِّبَنا الإحساسُ والعملُ
يا ربِّ إن كان في الفقدِ الذي نزلتْ
أسرارُ لطفِكَ فالقلبُ الذي يَصِلُ
فاجعلْ بقلبي سكونًا بعدَ عاصفةٍ
فإنَّ قلبي من الأحزانِ يشتعلُ
قد علّمتني الليالي أنَّ من رحلوا
ما غابَ طيفُهمُ بل ظلَّ مُتَّصِلُ
فصار وجهي وإن ضاق الزمانُ بهِ
يحكي ملامحَ من في الروحِ مُحتَمِلُ
أبكيهما لا كبُعدٍ ينتهي أبدًا
لكن كنبعِ حياةٍ فيهِ يكتملُ
فكلُّ فقدٍ يُهذِّبُ الروحَ من ألمٍ
حتى تُصاغَ بما قد ذاقتِ السُّبُلُ
وإنني اليومَ أفهمُ بعدَ مُنعطفٍ
أنَّ الحياةَ فِراقٌ ثمَّ مُرتحَلُ
وأنَّ في كلِّ قلبٍ بابَ غربتِهِ
لا يُغلقُ البابُ حتى يُفتحَ الأجلُ
فالحمدُ لله في سرٍّ وفي علنٍ
على قضاءٍ بهِ الإنسانُ يُكمَلُ