يا ساحرَ الطرفِ الذي أدمى دمي
وأقامَ عرشَ الحسنِ فوقَ جهنّمي
ما كنتُ أؤمنُ أن يُذَلَّ مُتيَّمٌ
حتى غدوتُ أسيرَ لحظِكِ فاعلمي
أغريتِ بيَ الشعرَ القديمَ فهاجَ من
أعماقِ صدري موكبُ المتكلِّمِ
وتدفَّقَتْ لغةُ الفصاحةِ بعدما
كانتْ كسيفٍ في غِمادٍ مُحكَمِ
يا من إذا انتسبَ الجمالُ لقبلةٍ
كانتْ محاسنُ وجهِها لم تنتمِ
غلبَ الضياءُ محيّاكِ حتى إنني
أخشى على الفجرِ الوليدِ من العمى
وأكادُ أُقسمُ أنَّ بدرَ سمائنا
يستحي إذا مرَّ المساءُ بموسمِ
ويكادُ غصنُ البانِ يطأطئُ رأسَهُ
خجلًا إذا مرَّتْ خُطاكِ بمغنمِ
ما ضرَّ عيني لو رأتكِ وإنّما
ضررُ العيونِ من الهوى المتضرِّمِ
أبصرتُ في عينيكِ بحرَ صبابةٍ
فغرقتُ لا نجوى هناكَ ولا حِمى
ومشيتِ بينَ الناسِ مشيةَ واثقٍ
فتموّجَتْ طرقُ المدينةِ كاليَمِّ
وتكلّمتْ شفتاكِ فاهتزَّ المدى
وتكسَّرتْ ألفاظُ كلِّ مُنظِّمِ
أنا لا أراكِ كغيركِم من حسنةٍ
لكنّني ألقاكِ سرَّ العالمِ
فيكِ التناقضُ آيةً؛ فجبينُكِ
الوضّاحُ يبعثُ فتنةَ المتجهِّمِ
وأراكِ أقربَ ما تكونينَ المنى
وأشدَّ ما تكونينَ بعدَ المَرغَمِ
كم قلتُ: أنسى، ثم عدتُ كأنني
لم أدرِ غيرَ هواكِ منذُ تكلّمي
يتكسّرُ الكبرياءُ عندَ جمالِكِ
المتفرّدِ المتعالي المتعظِّمِ
وأعودُ أجمعُ ما تبقّى من قوايَ
لأقومَ منهزمًا أمامَ تبسُّمِ
لو كان يُشترى الجمالُ لما كفتْ
كنزُ الملوكِ ولا ذخائرُ موسِمِ
ولو أنَّ أهلَ الشعرِ قاموا كلُّهم
ما أدركوا وصفًا لربعِ تكرُّمِ
أنتِ القصيدةُ حينَ تعجزُ ألسنٌ
عن نظمِ بيتٍ بالغِ الترسُّمِ
وأنتِ البيانُ إذا توارى أهلُهُ
وأتى السكوتُ بوجهِه المتكتِّمِ
ولقد وقفتُ أمامَ حسنكِ حائرًا
حيرى الفصيحِ أمامَ سرٍّ مُبهمِ
فتركتُ قلبي يستفيضُ بحبّهِ
فالقلبُ أصدقُ من فمِ المتكلِّمِ
إن كان للشعراءِ فخرٌ يُرتجى
ففخريَ أني من هواكِ المُغرمِ
ما زلتُ أرفعُ اسمَكِ العذبَ الذي
يجري على شفتي كعطرِ المواسمِ
حتى إذا انقضتِ السنونُ فإنني
أبقى رهينَ هواكِ رغمَ تألّمي
ويبقى هواكِ على الزمانِ قصيدةً
تُتلى بسمعِ القلبِ غيرَ مُصرَّمِ