أيا ناشئًا في الدهرِ هل تَدري المدى
فإنَّ شبابَ العمرِ طيفٌ يَتَبدَّدُ
تراهُ كبرقٍ في السَّماءِ إذا بدا
ولكنَّهُ إن لاحَ يُسرعُ في البُعدِ يَنفَدُ
فلا تَحسبِ الأيامَ تَرضى بطائلٍ
فكلُّ غدٍ يأتي يُجَرِّدُ ما يَغدُ
إذا لم تُقِمْ في النفسِ سيفَ تهذُّبٍ
تَكُسَّرْتَ في ليلِ الهوى وأنتَ مُفْرَدُ
أيا ابنَ الشبابِ الغضِّ إنَّكَ ساحةٌ
تُقاتِلُ فيها النفسُ والجهلُ مُوقَدُ
فإن غلبتْكَ النفسُ يومًا أَسَفْتَها
وإن غلبتْها صرتَ بالمجدِ تُحْمَدُ
ألا إنَّ في الإنسانِ بحرَ تناقضٍ
إذا ما طغى فيه الهوى كان مُرعِدُ
يُزيِّنُ لهُ الشيطانُ دربَ غوايةٍ
كما يَخدعُ الظمآنَ ماءٌ مُسَرمدُ
فلا تَغتررْ بالدربِ إن بدا سهلَهُ
فكم سهلٍ أدنى إلى الهَلكِ يُقصَدُ
وكم فتىً قد ضلَّ من بابِ لذَّةٍ
فأمسى أسيرًا للندامةِ يَسْهَدُ
كأنَّ الليالي حين تبكي شبابهُ
تُعِيدُ لهُ الذكرى فيحترقُ الوَجْدُ
وإنَّ الذي لا يَحكمُ العقلُ أمرَهُ
يُقادُ كما يُقادُ القطيعُ ويُسْتَعبَدُ
فاجعلْ زمامَ الفكرِ فوقَ شهواتِهِ
فمن لا يُسِرْهُ العقلُ يَسقُطْ ويُطْرَدُ
ولا تَصحبِ الأوغادَ إنَّ رفاقَهم
كسمِّ الأفاعي في العروقِ مُجَمَّدُ
يُلوِّثُ قلبَ المرءِ من غيرِ أن يُرى
كما يُفسدُ العطرُ إذا الماءُ يُفْسَدُ
وصاحبْ ذوي التقوى فالعمرُ غنيمةٌ
ومن صحبَ الأخيارَ بالخيرِ يُولَدُ
وكنْ مثلَ غصنٍ في المعالي متينِهِ
إذا ما رأتْه الريحُ لم يتقوَّدُ
ولا تركنِ للدنيا فإنَّ خداعَها
سرابٌ يُريك الماءَ والماءُ يُفقَدُ
تُلوِّنُ وجهَ العيشِ حتى إذا انثنى
تُريكَ الذي خبَّأتْهُ منكَ فتُبْدِدُ
أيا فتيةَ الإسلامِ هذا نداءُنا
ففيكم ربيعُ المجدِ إن شئتمُ يُولَدُ
إذا ما استقامَ المرءُ صارتْ حياتُهُ
نجومًا على ليلِ العلا تتوقَّدُ
وإنَّ الفتى إن لم يُهذِّبْ جوانحًا
فلا هو في الدنيا ولا الدينِ يُحْمَدُ
فلا مجدَ إلا من سقى النفسَ عزمَها
ولا عزَّ إلا من على الحقِّ يَصْمُدُ
إذا ما رمى التاريخُ بابكَ مرةً
فلا تَرضَ إلا أن تكونَ المُجَدِّدُ
فإنَّ المعالي لا تُنالُ بكسرةٍ
ولكنْ تُنالُ بالسيوفِ وتُحصَدُ
أيا نفسُ كُفِّي عن هواكِ فإنَّهُ
إذا ما استبدَّ القلبَ أضناهُ يُفسِدُ
وخُذي من صفاءِ الروحِ نورًا مُهذَّبًا
فإنَّ صفاءَ الروحِ للمرءِ يُسعِدُ
فهذا سبيلُ العزِّ فاصعدْ بنفسِهِ
وإلا فتبقَى في الحضيضِ وتُجْحَدُ