هل تذكرين ونبعُ الحبِّ يجمعُنا
فصرنا على ضوئِهِ نغدو كما كنّا
تلوحُ بقلبي صورةُ الأمسِ كلّما
تنفّسَ فجرٌ أو تهادى بنا الدُّجى
ربيعٌ مضى، لكنّه في جوانحي
مقيمٌ، يحيّي ما توارى وما فَنَا
تفتّحَ في روحي كأنّ نسيمَهُ
يُداعبُ أشواقي ويُورِقُ ما جَفَا
وأزهارُنا كانت تُحدِّثُ قلبَنا
بأنّ صفاءَ العيشِ مأواهُ إن صَفَا
نطاردُ أطيافَ السرورِ بلهفةٍ
ونبني من الأحلامِ أجنحةً لَنَا
ونجري، فلا قيدٌ يَشُدُّ خُطانا
ولا خوفَ يُثني في المسافاتِ خُطانا
وكانت لنا الدنيا فضاءً مُطَمئِنًا
نُغنّي، ونمضي، لا نُفكّرُ في غَدَا
نُلاعبُ أغصانَ النسيمِ إذا سَرَتْ
ونضحكُ حتى يزهرَ الضحكُ في المدى
ونرسمُ فوقَ الرملِ سرَّ حكايةٍ
فتبقى، وإن مرّت عليها يدُ الفَنَا
تلوحُ وجوهُ الصبحِ فينا نقيّةً
كأنّ الزمانَ استودعَ النورَ في دَمَا
ونغدو كأنّ القلبَ نبعُ براءةٍ
إذا مسَّهُ حزنٌ تلاشى وما بَقَى
تسرّبتِ الأعوامُ مثلَ غمامةٍ
فغيّرتِ الألوانَ وانطفأ السَّنَا
ولكن بقايا الضوءِ فينا تألّقت
تقاومُ في أعماقِنا كلّما وَنَى
فيا أيّها الماضي المقيمُ بخاطري
تُؤرِّخُ أيّامَ الصفاءِ إذا دَنَا
أأغدو غريبًا عن ربوعٍ عهدتُها
وفيها فؤادي بالبراءةِ قد سَكَنَا
لقد كان في عينيكِ فجرُ طفولتي
وفي كفّكِ الدفءُ الذي منه قد دَنَا
وفي ضحكةٍ منكِ اتّساعُ مسرّتي
كأنّكِ دنيانا التي قد مَلَكْنَا
تبدّل وجهُ الوقتِ، أمّا عهودُنا
فباقيةٌ، لم تَنثَنِ، لم تَهُنْ مَعَنَا
فإن باعدت بين الخطى طرقاتُنا
ففي الروح دربٌ لا يزولُ ولا فَنَى
أحنُّ إلى ظلٍّ جلسنا بفيئِهِ
نُعدُّ نجومَ الليلِ إن لاحَ واعتَنَى
ونجمعُ أوراقَ الربيعِ كأنّنا
نُشيِّدُ من ألوانِها وطَنًا لَنَا
إذا هبّ طيفٌ منكِ عادَ تمايُلي
كأنّ فؤادي يستعيدُ الذي بُنِيَا
فلا البعدُ يطوي ما بنينا من المُنَى
ولا الحزنُ يمحو في الحنايا الذي سَنَا
سيبقى ربيعُ العمرِ يسكنُ مُهجتي
وإن غابَ عن عيني، ففي القلبِ قد غَنَى
وأروي لوجهِ الدهرِ أحلى حكايةٍ
بها ضحكت أيّامُنا واعتنَى الزَّمَا
فإن جفّ نهرُ الحلمِ يومًا بمهجتي
تفجّر من ذكرى الطفولةِ وارتَوَى
سلامٌ على عهدٍ تقاسمنا بهِ
نقاءَ الليالي، والهوى، والمُنى سَوَا
سلامٌ على وجهِ البراءةِ إذ بدا
كصبحٍ على أهدابِنا قد تجلّى
وإن ضاعَ منّا العمرُ في زحمةِ الأسى
ففي الذكرى الفردوسُ نلقاهُ مُجتَنَى