حينَ يَغارُ الرَّيحانُ..
يُخبِّئُ أنفاسَهُ في كَفِّ الغيابِ،
ويُعلِّقُ اسمَهُ على مِسمارِ ريحٍ لا تُرى،
ثمَّ يَسألُ الظِّلَّ..
هل كُنتُ أنا…
أم كنتُ ارتباكَ الترابِ..
فيُجيبهُ الصَّمتُ
بصوتٍ يُشبهُ انكسارَ المرايا ..
في رئةِ السَّحابِ…
تتدلّى الحروفُ كأعصابٍ مُعلَّقةٍ
في سقفِ فكرةٍ مصلوبةٍ
بينَ "كان" و"لن يكون"،
ويَشهقُ المعنى كطفلٍ أضاعَ اسمهُ
في زحامِ الأبجديةِ
فلم يَعُد يَعرفُ إن كانَ يُنادى…
أم يُكتَبُ في كتابِ الخرابِ…
حينَ يَغارُ ...
تَرتدي الأرضُ وجهًا آخرَ
لا يُرى إلا لمن سقطوا في داخلهم،
ويُصبحُ الماءُ مرآةً مكسورةً
تعكسُ الغريقَ ألفَ مرَّةٍ
ولا تُعيدُهُ…
كأنَّ الوجودَ تواطأَ مع العدمِ
ليكتبَ سيرةَ الارتطامِ الأخيرِ
على جدارِ السرابِ…
حينَ يَغارُ الرَّيحانُ...
تَنمو الأزقّةُ داخلَ الرُّوحِ
كأوردةٍ تُفضي إلى لا أحد،
وتجلسُ الذكرياتُ على حافةِ الوقتِ
تُمشِّطُ شعرَ الغيابِ
بأصابعَ من نسيانٍ مُزمن،
ثمَّ تضحكُ…
ضحكةً تُشبهُ ارتطامَ الحلمِ
بجبهةِ البابِ…
يَذوبُ الليلُ في فمِ السؤالِ،
وتنفتحُ العتمةُ كجرحٍ قديمٍ
يُعيدُ ترتيبَ الألمِ
على هيئةِ نجومٍ مُطفأة،
ويصيرُ القلبُ
مقبرةً مُتنقلةً
تُدفنُ فيها الأمنياتُ
بلا شاهدٍ…
بلا عنوانٍ…
بلا جوابِ…
حينَ يَغارُ الرَّيحانُ ...
تَنحني اللغةُ أمامَ صمتِها،
وتُسلِّمُ مفاتيحَها
لريحٍ عمياءَ
تُبعثرُ المعاني في شوارعِ اللاوعي،
ويَركضُ الشِّعرُ خلفَ نفسهِ
ككائنٍ فقدَ ظلَّهُ،
يصرخُ..
من أنا…..
فيُجيبهُ الصدى..
أنتَ احتمالاتُ الضبابِ…
حينَ يَغارُ ...
تُولَدُ الأسماءُ بلا وجوهٍ،
وتُدفنُ الوجوهُ بلا ذاكرة،
ويُصبحُ الإنسانُ
مجرّدَ فكرةٍ مُهملةٍ
في دفترِ الكون،
يُقلِّبُهُ العدمُ
بأصابعَ من فراغٍ
ويكتبُ في الهامشِ..
هنا مرَّ أحدٌ…
ولم يتركْ سوى شَكِّهِ
في يقينِ السَّرابِ…
وينكسرُ المعنى إلى شظايا،
كلُّ شظيّةٍ تُنادي الأخرى
باسمٍ لا يُقال،
وتلتقي الأرواحُ
في مفترقِ التيه،
تتعارفُ على وجعٍ واحدٍ
ثمَّ تفترقُ
كأنَّ اللقاءَ كان خطأً
في نظامِ الحسابِ…
حينَ يَغارُ الرَّيحانُ ..
لا يبقى منّي سوايَ
ولا تبقى منّي أنا،
أصيرُ فكرةً تأكلُ صاحبَها
وتُعيدُ تشكيلَهُ
على هيئةِ سؤالٍ مُعلَّقٍ
في سقفِ اللازمان،
وأكتب ..
دون أن أكتب..
آخرَ احتمالاتي
على صفحةِ الغيابِ…
أفهمُ أخيرًا
أنَّ الجنونَ ليس انحرافًا…
بل رؤيةٌ زائدةٌ عن حاجةِ العالم،
وأنَّ العُمقَ
هو أن تغرقَ في نفسك
ولا تجدَ قاعًا…
ولا شاطئًا…
ولا حتى وهمَ النجاةِ
من هذا العذابِ…