أترى يعودُ الوردُ في كفِّ المدى؟
وترى اللقاءَ يفيضُ من جفنِ المنى؟
أنا لا أُصدِّق أنَّ ظلَّك قد مضى،
فالضوءُ يسكنُ في جراحِ أصابعي
والليلُ، مذْ رحلتَ،
صارَ مجرّةً صُمًّا تعاندُ نجمةَ المُشتاقِ في شَفَقِ الندَى.
سَمِعَتْ دُروبُ الصمتِ صوتَ توجُّعي،
وغفتْ على كتفِ الرحيلِ رسائلي
كم كنتُ أكتبُ في الضبابِ ملامحك،
وأرى ملامحَ طفلِنا…
يمشي على لهفِ الغيابِ…
كأنَّهُ وطنٌ يفتِّشُ عن ذراعِ الأمِّ
في حضنِ الشتاء.
طفلي الحبيبُ،
تَركتَ في قلبي يراعَ الفجرِ مكسورَ الجناح،
كُنتَ السماءَ إذا تنفَّسَ في دمي
عطرُ الحكاياتِ البريئةِ،
والمراجيحُ القديمةُ،
والندى.
ما ذنبُكَ،
ما ذنبُ غيمٍ جاءَ يضحكُ للأمل
فبكى المطر؟
ما ذنبُ قلبٍ
كانَ يحملُ ضحكةً لم تُكتمل؟
غدًا سنأتي يا صغيري،
نحملُ الأكفانَ من زهرِ الدعاءِ،
و نرتِّلُ الأشواقَ في صمتِ الضريحْ،
غدًا سنبني فوقَ قبركَ قبلةً
تأوي إلينا كلَّ ليلٍ نازفٍ
من صمتِ هذا العالمِ المتوحِّشِ القاسي الجريحْ.
غدًا،
سنسيرُ حفاةً في دروبِ الطهرِ
نحملُ فوقَ أكتافِ الحنينِ نعشكَ،
لكنَّهُ
سيظلُّ أخفَّ من ظِلِّ القصيدةِ في المساءِ.
إن عدتِ يا زهري الجميلُ…
سأفرشُ الطرقاتِ بالأوزانِ
وأنقشُ فوقَ أنفاسي ملامحَكِ الحبيبة،
إن عدتِ…
فسنروي للسنابلِ كيفَ ماتَ الطفلُ في رحمِ الفراشاتِ الوديعةْ،
كيفَ انطفأنا مثلَ فانوسٍ تكسَّرَ
في عيونِ العيدِ
قبلَ ضحى الطفولةِ.
لا تحزني إن خانَ دربُ الوقتِ وعدَ الأغنيات،
ما زلتُ أبني من رمادِ الوقتِ
أشرعةَ اللقاء،
وأمدُّ من صدري نوافذَ للندى،
وأقول:
“قد نلتقي!”
وتهزُّني “قد” مثلَ نايٍ
ذابَ في صدرِ الشجنْ…
سيعودُ آذارُ الحزينُ بعطرهِ،
وسيورقُ البُنُّ القديمُ على الشفاهِ الظامئات،
وسنلتقي…
في لحظةٍ
تشبهُ انهمارَ الضوءِ في كفِّ الغيابِ…
سنلتقي،
فغدًا ستنهضُ من رمادِك يا وليدي،
وترتدي ثوبَ النهارِ الأزرقِ النشوانِ،
تضحكُ للبهاءِ كما يضيءُ الطفلُ
أروقةَ الفصولْ،
ونعودُ نغزلُ من حنينِك أمنياتٍ
لا تموتْ…
قد نلتقي،
وسأزرعُ الأغصانَ في قلبي،
وأحملُ في دمي
كلَّ الحقولْ،
وأظلُّ أكتبُ:
“كانَ لي في العمرِ طفلٌ لا يموتْ…”
قد نلتقي!
جاءتْ إليهِ…
وفي يديها خبزُها الدافئْ
وزجاجةُ الماءِ التي اعتادَ أن يرشفَها صغيرًا قبلَ نومِ الليلِ،
جاءتْ…
تغني للترابِ نشيدَها،
وترشُّ حولَ القبرِ شالَ الحزنِ من كفّي دعائها الطويلْ.
كانتْ يداها ترتجفانِ كأنّها
تحملُ جبالَ الأرضِ في ذاكَ السكونْ،
والدمعُ،
يسبقُها إليهِ،
يحضنُ القبرَ الصغيرَ، كأنَّهُ
أمٌّ… تضمُّ طفلَها رغمَ الفُتونْ.
قالتْ له:
يا وردةً ذبلتْ على خدِّ الصباحْ،
يا ضحكةً لم تُكتملْ،
يا من بنيتُك من دعائي،
ثمَّ نامتْ فيكَ كلُّ الأمنياتْ…
كنتَ اختصاري للوجودِ،
وكنتَ وعدي بالنجاةْ،
فبأيِّ ذنبٍ
تركتَ في صدري ارتطامَ الأرضِ بالسماءْ؟
وغدًا،
سأكسرُ في يدي هذا البكاءْ
وأجيءُ كلَّ الفجرِ أحملُ سورةَ الرحمنِ
أقرأها عليكْ،
وأراكَ تضحكُ في الترابِ،
كأنَّ صدري موطنٌ
والقبرَ… بابُ العودةِ البيضاءْ!
إن كانَ هذا الحلمُ في الدنيا انطفى،
فالحلمُ في الجناتِ يورقُ مثلَ نورٍ لا يُخافُ عليهِ من وهجِ الفناءْ.
هناكَ،
حيثُ النهرُ يسري في خُطا الجَمعِ الحبيبْ،
وحيثُ لا ألمٌ،
ولا وَجَعٌ،
ولا موتٌ يُفرّقُ بين روحَيْ عاشقينِ على اللقاءْ…
سأراكَ،
في دارِ السلامِ، تضحكُ مثلَ عصفورٍ
يفرُّ من التُرابْ
ويعودُ يلعبُ في حقولِ اللهِ،
يحملُ غصنَ زيتونٍ،
ويركضُ في بهاءِ الخُلدِ..
من بابٍ لبابْ.
وسأجيءُك..
أمشي على جسرِ الحنينِ،
وفي يدي ما كنتُ أحلمُ أن أقولْ،
وسأحتضنُك،
كما تحتضنُ الأمهاتُ يومَ الوصلِ أبناءَ الرجوعْ،
وسأهمسُ في أُذنكَ الصغيرهْ:
"ما كانَ يفصلُنا سِوى عُمْرٍ قصيرْ..
وهأنذا أتيتْ!"