وإن عزَّ عزائي… ففي قلبي مأتمي
ولا شيء يُداني في الأرواحِ مقامَ أبي
منذُ رحيلكَ… والدهرُ أثقلني
وأنا الذي كان كالنجمِ يُحلِقُ بجناحه
غابتْ يداهُ، فما لظهري من سندٍ
ولا لروحي سِوى الأطيافِ في التربِ
أبكيك صمتًا، وفي صمتي أناشيدي
وكلّ نفسي تئنُّ الآنَ من نصبي
يا من رحلتَ، وظلَّ الحُزنُ يلبسني
كأنّ ثوبَ الأسى في الروحِ لم يَغبِ
إني يتيمُك في الدنيا، وإن حملتُ
ما فيها، فمرثيتي لكَ دربُ نُبلي
أبي… وما كنتَ إلا النورَ في دُرُبٍ
إذا تاهَ قلبي، أعادَ الروحَ للأدبِ
بكيتُ يومًا، فقالَ: اثبتْ على القيمِ
فإنّ الحقَّ لا يُهزَمْ على الرُّكَبِ
علّمني كيفَ لا أنحني لظالمهمْ
ولا أُساومُ في حبٍّ ولا نَسَبِ
وكانَ يهمسُ: لا تغوِك زينةُ هذا الزمانِ،
فمن عاشَ طينًا، سما في معدنِ الذهبِ
وصاياهُ في صدري… كتابُ حكمةٍ
ومحرابُ وجدي، ونوري ساعةَ الكَربِ
علّمني الصمتَ حينَ الغيظُ يمتحنُ الفتى
وأن أقولَ إذا ما ظُلمتُ: حسبي وربّي
جادَ وأكرمَ مِن نفسٍ نقيةِ المذهبِ
فجزاه اللهُ خيرَ الخَلقِ والثوابِ الأجزلِ
عطاءك نبعٌ، به سَمونا، وذكركَ
منقوشٌ كالدُرِّ في صفحاتِ معجمي
أبي… أمطرتَنا حُباً وشمائلُكَ
أرقى من التاجِ في أعلى الُرتبِ
رَحِلتَ جسداً… أما المعاني فما برِحتْ
تُضيءُ في القلبِ ما عاقَ بِنا المسيرَ
وفي دعائي، لهُ روحٌ ترفرفُ دومًا
كأنّ فوادي على الفردوسِ قد كتبَا
فيا أبي… إن غبتَ عني بِجسدِكَ
فنوركَ في دمي لا زالَ حَياً مُنتسباً