سَطَّرْتُ حُرُوفِي حِينَ لَاحَتْ مَوَاهِبِي
وَفِي مَدْحِ مَنْ أَحْبَبْتُ ضَوْءَ الْمُذَّهَبِ
وَقُلْتُ: لِقَوْمِي شَاعِرٌ لَا يُشْبِهُهُ
سِوَى مَنْ تَهَادَى فِي الْمَعَالِي وَمُغْتَرَبِ
فَأَعْدَدْتُ هَذَا الشِّعْرَ دَرْبَ مَحَبَّةٍ
يُخَلَّدُ فِي قَلْبِ الزَّمَانِ وَيُحْتَسِبُ
وَفِي طَيْفِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَدْ أَوْقَدْتُهُ
فَمِنْ طَلْعَةٍ تُهْدَى السُّيُوفُ إِلَى الرُّتَبِ
أَيَا سَيِّدِي، يَا مِشْعَلَ الْفَخْرِ الرَّحِبِ
وَيَا نَخْلَةً تَنْمُو عَلَى الْخَيْرِ الصِّلْبِ
رَأَيْتُ الْمَكَارِمَ فِيكَ وَهْجَ طُلُوعِهَا
كَأَنَّكَ فِي أَخْلَاقِهَا أَعْلَى الرُّتَبِ
تَسَامَيْتَ عَنْ ضَوْضَاءِ كُلِّ مُنَافِقٍ
وَبِالْكَفِّ كَانَ الْعَفْوُ مِنْ خَيْرِ السُّحُبِ
إِذَا مَا دَعَاكَ الْحَزْمُ كُنْتَ صَرَامَةً
وَإِنْ شِئْتَ لِينًا كُنْتَ كَالنَّبْعِ الْعَذِبِ
تُعَانِقُ فِيكَ الشَّمْسُ طُهْرَ جَبِينِهَا
وَتَنْأَى الدُّنَا عَنْكَ افْتِخَارًا بِالنَّسَبِ
أَبَا رَاكَانَ، يَا نِبْرَاسَ صِدْقٍ نَاطِقٍ
بِفَيْضِ الْمَعَانِي، فِي الْوَقَارِ الْمُهَبِّ
تُجَالِسُ قَوْمًا، فَيُضِيءُ حَدِيثُهُمْ
كَأَنَّكَ فِيهِمْ بَدْرُ لَيْلٍ مُسْتَتَبِّ
كَتَبْتُ هَوَاكَ، لَا لِشَيْءٍ غَيْرِ أَنِّي
وَجَدْتُ الْوَفَاءَ لَدَيْكَ أَبْهَى مِنَ الْكُتُبِ
أَيَا سَيِّدِي، يَا مَنْ لَهُ شَرَفُ النَّسَبِ
وَفِيهِ الْمَدَى يَسْمُو وَيُورِقُ بِالْهُدُبِ
إِذَا قَالَ، أَزْهَرَ فِي الْحَدِيثِ تَفَرُّعٌ
كَأَنَّ الْبَيَانَ بَرَاحُهُ نَبْعٌ عَذِبِ
وَفِي صَمْتِهِ يُغْنِي الْحُضُورَ جَلَالُهُ
كَأَنَّ السُّكُوتَ لِسَانُهُ الشَّهْمُ الْغَضِبِ
لَهُ هَيْبَةٌ تَمْضِي، وَتُخْفِضُ غَطْرَسًا
إِذَا مَا مَضَى لِلْحُسْنِ، أَوْ قَامَ بِالْخَطِبِ
هُوَ الْكَفُّ إِنْ ضَاقَتْ يَدُ النَّاسِ بِالنَّدَى
وَهُوَ السَّاعِدُ الْعَطَّارُ إِنْ جَدَّ بِالْكَتِبِ
يُرَتِّبُ أَيَّامَ الْوَفَاءِ بِحِكْمَةِ مَجْدٍ
وَفِي حُسْنِهِ الْمَكْنُونِ مَا يُعْجِزُ الْعَجَّبِ
تَرَاهُ وَفِي أَخْلَاقِهِ شَمْسُ شَارِقٍ
وَفِي نُبْلِهِ قَدْ خَابَ مُعْتَادُ الْكَذِبِ
أَبَا رَاكَانَ، أَنْتَ النُّورُ فِينَا دَائِمًا
وَفِي صِدْقِكَ الْمَنْثُورِ دَرْبُ الْمُغْتَرِبِ
رَأَيْتُكَ فِي صَفِّ الْكِبَارِ، فَهَزَّنِي
حَنِينِي إِلَيْكَ، كَأَنَّ قَلْبِيَ يَلْتَهِبِ
كَأَنَّكَ فِي دَرْبِ الْمُرُوءَةِ آيَةٌ
تُرَتَّلُ حِينَ الْحَقُّ يُقْصَى أَوْ يُسْتَلَبِ
تَحَمَّلْتَ أَثْقَالَ الْحَيَاةِ بِصَبْرِكَ
وَمَا قُلْتَ يَوْمًا فِي الشَّدَائِدِ: قَدْ تَعِبِ
أَبَا رَاكَانَ، مَا لِلْحُسْنِ إِلَّا طَلْعَتُكَ
تُطِلُّ، فَيَحْلُو لِلزَّمَانِ أَنْ يَنْقَلِبِ
إِذَا ضَاقَ صَدْرُ النَّاسِ كُنْتَ رَحَابَةً
تُعَانِقُهُمْ، وَالْكُلُّ يَشْرَبُ مِنْ شُرُبِ
تَمُدُّ لَهُمْ كَفَّ السَّمَاحِ بِصِدْقِهَا
وَتَحْمِلُ مِنْ خُلُقِ الْمَلَائِكِ مَا يُعَبِ
وَفِي مَجْلِسٍ، إِنْ قِيلَ مَنْ ذَا سَيِّدٌ؟
أَشَارُوا إِلَيْكَ، وَسَادَ فِي الْقَوْلِ الطَّرِبِ
فَدُمْتَ لَنَا فِي الْعُسْرِ نَبْعَ مُرُوءَةٍ
يُفِيضُ، إِذَا خَفَّ الرِّفَاقُ، وَلَمْ يُجَبِ
إِذَا قِيلَ: مَنْ لِلطِّيبِ يَسْرِي مَرْكَبِ؟
فَقُلْنَا: أَبُو رَاكَانَ نَبْعُ الْمَوْكِبِ
تَرَاهُ كَرِيمَ الْخُلُقِ إِنْ جَاءَ ضَيْفُهُ
يُؤَمِّنُهُ صَدْرٌ رَحِيمٌ مُرَحَّبِ
لَهُ فِي الدُّجَى نُورُ الْيَقِينِ تَأَلُّقَتْ
بِوَجْهِ الْمُنَى، فِي صَمْتِهِ الْمُتَقَلِّبِ
وَلَا يَعْرِفُ التَّقْصِيرَ قَلْبٌ نَابِضٌ
إِذَا كَانَ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِيهِ الْمُنْتَدِبِ
وَفِي كُلِّ مَعْنًى لِلرُّجُولَةِ سِيرَةٌ
تَفِيضُ نُبُلًا كَالسَّحَابِ الْمُنْسَكِبِ
لَهُ فِي خُطَى الشُّجْعَانِ هَيْبَةُ فَارِسٍ
إِذَا مَا مَضَى، خَرَّ الْخُمُولُ الْمُكْتَئِبِ
وَفِي حُلْمِهِ، تُشْفَى الْعُقُولُ بِحِكْمَتِهِ
كَأَنَّ بِهِ سِرَّ الدَّوَاءِ الْمُجْتَلِبِ
فَيَا مَنْ لَهُ فِي كُلِّ قَلْبٍ مَنْزِلٌ
عَلَيْكَ سَلَامُ الذَّاكِرِينَ الْمُعْجَبِ
تُطِلُّ، فَيُشْفَى كُلُّ قَلْبٍ مُغْضَبِ
وَتَسْكُنُ أَرْوَاحٌ تَعَوَّدَتِ الْغَضَبِ
كَأَنَّكَ مَرْسَى الطُّمَأْنِينَةِ كُلَّمَا
تَلَاطَمَتِ الْأَيَّامُ مِنْ غَيْرِ سَبَبِ
تَرَى النَّاسَ فِيكَ الطُّهْرَ، يَمْشِي عَازِمًا
وَفِي خَطْوِكَ الْهَادِئِ، عِطْرُ الْمَوْهَبِ
مَتَى جِئْتَ مَجْلِسًا، تَوَاضَعَ سَائِرٌ
وَرَفْرَفَ فِي أَرْجَائِهِ ضَوْءُ الْأَدَبِ
سُلُوكُكَ مِيزَانُ الْوَفَاءِ بِرَوْنَقٍ
تَرَى فِيهِ نُبْلَ السَّادَةِ الْمُحْتَسَبِ
وَلَسْتَ تُرَى إِلَّا رَفِيقًا طَيِّبًا
إِذَا صَاحَبَتْكَ اللَّيْلَةُ دُونَ الْكَوْكَبِ
لَكَ الْقَلْبُ إِنْ جَارَ الزَّمَانُ بِقَسْوَتِهِ
فَمَا خِفْتَ مِنْ سَيْفٍ، وَلَا ذَلَّ الرَّكَبِ
وَمَا كَانَ عَبْدُ الْعَزِيزِ إِلَّا شَامَةً
عَلَى جَبِينِ الْعِزِّ، تَاجَ الْمُنْسَكِبِ
لِأَنَّكَ لِلْإِحْسَانِ دَارٌ وَمَوْكِبُ
فَكُلُّ دُرُوبِ الطِّيبِ تَمْشِي فِي طَرَبِ
إِذَا مَا دَجَى لَيْلُ الْمَصَاعِبِ حَوْلَنَا
تَجَلَّى هُنَاكَ النُّورُ فِي وَجْهِ السَّحَبِ
سَكَنْتَ الْقُلُوبَ بِصِدْقِ عِطْفٍ نَادِرٍ
كَأَنَّكَ فَوْقَ الْأَرْضِ سِرُّ الْحُجُبِ
وَمَا مَرَّ فِينَا مَوْقِفٌ إِلَّا وَقَدْ
بَدَوْتَ بِهِ صَدْرًا عَظِيمًا مُسْتَجِبِ
تُذِيبُ جُمُودَ الْحُزْنِ مِنْ أَيَّامِنَا
وَتَزْرَعُ فِيهَا الْبِشْرَ، يُزْهِرُ بِالْوَجَبِ
أَبَا رَاكَانَ، يَا مَنْ لِلْفَخَارِ مَقَامُهُ
بِكَ الْعِزُّ لَا يُخْفَى، وَلَا يُلْقَى الْعَتَبِ
كَأَنَّكَ فِي خُلُقِ الْوَفَاءِ مَجَرَّةٌ
تُضِيءُ، وَإِنْ خَفَّ الضِّيَاءُ، وَتَغْتَرِبِ
فَهَذِي فُصُولُ النُّورِ قَدْ خَطَّتِ اسْمَكَ
بِمِدَادِ مَنْ أَحْبَبْتَ فِي عُمْرِ الشُّهُبِ
إِذَا ضَاقَ صَدْرُ الْحَرْفِ مِنْ شَجَنِ التَّعَبِ
أَتَى عَبْدُ عَزِيزٍ مِثْلَ وَعْدٍ مُعْجَبِ
تَأَنَّى، وَفِي عَيْنَيْهِ مَعْنًى طَاهِرٌ
يُذِيبُ صَقِيعَ الْوَقْتِ مِنْ غَيْرِ خُطُبِ
تَرَاهُ إِذَا اشْتَدَّتْ لَيَالِي أَهْلِهِ
سِرَاجًا عَلَى دَرْبِ الصَّوَابِ الْمُهْتَبِ
وَفِي كُلِّ يَوْمٍ، فِي الْمَكَارِمِ رَايَةٌ
تُرَفْرِفُ مِنْ خُلُقٍ نَبِيلٍ مُنْتَجَبِ
إِذَا سَلَّمَ الْعُظَمَاءُ مَجْدًا صَادِقًا
فَأَنْتَ لَهُ التَّاجُ الَّذِي لَا يُغْتَصَبِ
وَيَكْفِيكَ أَنَّ الْحُلْمَ فِيكَ مَطِيَّةٌ
تُسَيِّرُهَا بَيْنَ الْوَرَى دُونَ كُرُبِ
وَفِي كَفِّكَ الْيُسْرَى ثَبَاتُ نَزِيهَةٍ
وَفِي الْيُمْنَى، جُودٌ يُفِيضُ بِلَا سَبَبِ
فَيَا مَنْ لَهُ فِي كُلِّ حَيٍّ مَكْرُمَةٌ
سَلَامٌ عَلَيْكَ إِلَى الْمَدَى يَا مُحْتَسَبِ
إِذَا قَالَ كَانَتْ لِلْبَلَاغَةِ مَذْهَبِ
تَسِيرُ عَلَى كَلِمَاتِهِ حِكَمُ الْكُتُبِ
يُؤَدِّبُ بِالصَّمْتِ الْجَلِيلِ وَقَارُهُ
وَفِي سِرِّهِ تَنْمُو الْمَعَانِي كَالْعِنَبِ
وَلَا يَعْرِفُ الْإِقْصَاءَ فِي أَخْلَاقِهِ
كَأَنَّ صَدَاهُ عِطْرُ صَدْرٍ مُقْتَرِبِ
يُجِيرُ مَنِ اسْتَنْجَدْ بِهِ مُتَعَفِّفًا
وَيَمْنَحُ وَجْهَ الصَّبْرِ لِلطِّفْلِ الْيَثِبِ
لَهُ خُطْوَةٌ، فِيهَا الْوَقَارُ مُمَشَّرٌ
كَأَنَّ بِهَا حَلْمَ الدُّهَاةِ إِذَا شَجَبِ
وَفِي مَجْلِسٍ إِنْ رَامَ قَوْمٌ حِكْمَةً
تَكَلَّمَ، فَاسْتَشْرَفَتْ عُيُونُ الْمُنْتَدِبِ
أَبَا رَاكَانَ، الْمَجْدُ طَافَ بِكَفِّهِ
فَأَلْقَتْ يَدَاهُ الْمَجْدَ لِلْمُسْتَعْتِبِ
لِهَذَا كَتَبْنَا فِيكَ مَا لَوْ ذُكِّرَتْ
بِهِ خُطَبُ الدُّنْيَا، لَبَاحَتْ بِالْعَجَبِ
خِتَامُ الْقَصِيدَةِ مَا خِتَامُ قَصَائِدٍ
وَلَكِنَّهُ تَاجُ الْبَيَانِ الْمُذَهَّبِ
إِذَا مَا سُئِلْنَا: مَنْ أَحْبَبْتُمْ؟ نَقُولُ:
هُوَ ابْنُ الزَّمَانِ، وَسَيِّدٌ لَمْ يَكْتَئِبِ
لَهُ فِي الْقُلُوبِ مَنَازِلٌ لَا تُشْتَرَى
وَلَا تُشْبِهُ الْأَطْيَافَ، أَوْ ظِلَّ السُّحُبِ
عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَذَاكَ فَخْرُ قَصِيدِنَا
فَمِنْهُ ابْتَدَأْنَا، وَالْمَآثِرُ لَمْ تَغِبِ
كَأَنَّ اللَّيَالِيَ قَدْ رَوَيْنَ خِصَالَهُ
فَأَصْبَحَ نَجْمًا فِي الدُّجَى لَا يَغْتَرِبِ
وَإِنْ غَابَ يَوْمًا عَنْ عُيُونِ مُحِبِّهِ
فَحُبُّهُ فِي مُهْجَةِ الْعُمْرِ الْمُضَبِ
فَيَا نَسْلَ عِزٍّ فِي الْكَرَامَةِ نَاطِقٌ
سَلَامٌ عَلَى وَجْهِ الْمَحَبَّةِ الْمُعَبِ
وَمَنْ مِثْلُهُ؟! قُلْ لِلْعُصُورِ تَهَيَّئِي
فَهَذَا الَّذِي بَيْنَ الْمَلَاحِمِ يُكْتَتَبِ