بِالْعَيْنِ يَبْدَأُ فِي الْوُجُودِ كِتَابُهُ
وَبِهَا يُشِيعُ عَلَى الْحَيَاةِ رِضِابِهِ
كَالشَّمْسِ تُشْرِقُ فِي الْمَدَى أَنْوَارُهَا
وَتُسَائِلُ الْأَفْلَاكَ عَنْ أَسْرَابِهِ
مِنْهَا يُزَاحُ اللَّيْلُ يَسْتَبْقِي الضِّيَا
وَيُبَاحُ لِلرُّوحِ الطَّرِيقُ لِبَابِهِ
إِنْ جِئْتَ تَبْحَثُ بِالْحَيَاةِ عَنِ الْوَفَا
فَاسْأَلْ عُيُونَكِ عَنْ مَحَلِّ شِرَابِهِ
تَحْكِي الْأَسَاطِيرَ الَّتِي كُنَّا بِهَا
نَرْتَاحُ فِي أَحْلَامِنَا وَرُؤَاهِبِهِ
تَحْكِي زُمُرُّدَةَ السَّمَاءِ إِذَا بَدَتْ
بِالْعِزِّ تَكْتُبُ لِلْحَيَاةِ كِتَابِهِ
مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ لِلْعَيْنِ السِّحْرَ
حَتَّى غَدَوْتُ بِهَمْسِهَا مُنْجَابِهِ
تَشْرُقُ بِالْعَيْنَيْنِ أَنْوَارُ الضُّحَى
وَيَفِيضُ فِي الْأَرْوَاحِ نَبْضُ شَرَابِهِ
إِذَا الضُّحَى أَسْدَلَتْ عَطْرَ أَشِعَّةٍ
وَزَهَا عَلَى الْأُفُقِ النَّدَى بِسَحَابِهِ
أَحْيَتْ زُهُورَ الْوَرْدِ حَتَّى نَاطَقَتْ
بِالشَّوْقِ لِلْأَنْهَارِ حِينَ جَرَابِهِ
وَتَرَاكَمَتْ أَحْلَامُنَا بِصِفَائِهَا
فَسَقَتْ عُقُولًا مِنْ سَرَابِ سَرَابِهِ
وَتَغَنَّتِ الْأَطْيَارُ فِي عَيْنَيْكِ إِذْ
تُغَنِّي الْحَيَاةُ عَلَى أوْتَارْثَوَابِهِ
يَا مَنْ سَكَنْتِ بِحُسْنِ عَيْنَيْكِ
مُهْجَتِي مَا لِلْحَيَاةِ إِذَا غَفَا مِحْرَابِهِ
كَالْفَجْرِ يَشْرُقُ كُلُّ دَاوٍ حِينَ تَجْ
رِي الرُّوحُ فِي الْأُفُقِ تَسْتَجِيبُ لِبَابِهِ
عَجَزَ لِسَانِي عَنْ مَدَى أَسْرَارِهِ
وَأَنَا الْغَرِيقُ بِسِحْرِهَا وَعُجَابِهِ
مَا أَنْتِ إِلَّا كَوْكَبٌ فِي لَيْلِهِ
يُرْشِدُ سَارِيَةَ الظَّلَامِ بِنَابِهِ
أُحِبُّهَا حُبَّ النَّخِيلِ لِغَيْمِهِ
وَأَشُدُّ فِي الْأُفُقِ انْطِلَاقَ رِكَابِهِ
وَإِذَا نَظَرْتُ إِلَى عُيُونِكِ لَحْظَةً
وَجَدْتُ قُلُوبِي تَرْتَوِي مِنْ صَابِهِ
أَنْتِ انْبِعَاثُ النُّورِ فِي عَيْنَيْهِ مَا
مَاتَتِ الْحَيَاةُ إِذَا بَقَى أَعْطَابِهِ
تَجْرِي عُيُونُ النُّورِ فِي نَبْضَاتِهِ
حَتَّى تُبَاحَ بِصِدْقِهَا أَعْرَابِهِ
أَنْتِ انْبِعَاثُ النُّورِ إِنْ صَاحَ الْوَفَا
يَا مَنْ بَذَلْتِ لِلْقُلُوبِ حِسَابِهِ
إِنَّ الْعُيُونَ لَهَا فُؤَادٌ يَسْتَقِي
مِنْهَا الْحَيَاةَ وَفِي الْجَوَانِحِ مَا بِهِ
تَفْنَى النُّفُوسُ وَمَا تَفَانَى عِشْقُهَا
وَيَطِيبُ بِالْحُبِّ الْحَيَاةُ وَعَذَابِهِ
مَا لِلْعُيُونِ إِذَا أَطَالَتْ نَظْرَةً
إِلَّا قُيُودُ الْقَلْبِ فِي أَطْيَابِهِ
يَا سَاحِرَةَ الْأَحْلَامِ إِنَّ مَسَاءَكِ
يُسْكِرُ فُؤَادِي بِالْهَوَى وَشَرَابِهِ
وَأَنَا الْمُحِبُّ إِذَا تَرَاخَى شَوْقُهُ
تَرَكَ النُّجُومَ تَسِيحُ فِي أَعْتَابِهِ
كُلُّ الْحَيَاةِ تَفَتَّحَتْ أَزْهَارُهَا
لِعُيُونِكِ السَّاحِرَةِ وَسَحَابِهِ
وَإِذَا النُّجُومُ بَدَتْ عَلَى أُفُقِ الدُّجَى
تَبْكِي عُيُونًا قَدْ رَوَتْ أَطْلَابِهِ
غَرِقْتُ فِي بَحْرِ الْجَمَالِ فَمَا بَقَى
إِلَّا نَسِيمٌ يُرْتَجَى فِي أَحْبَابِهِ
وَرَأَيْتُ فِي الْعَيْنَيْنِ بَحْرًا هَادِرًا
تَحْمِي جُرُوفَ الْقَلْبِ فِي أَسْيَابِهِ
مَا زِلْتُ أُبْحِرُ فِي الْجَمَالِ كَأَنِّي
سَارٍ إِلَى أَحْلَامِهِ وَسَرَابِهِ
وَإِذَا النُّسُورُ عَلَى الْمَدَى أَطْلَقْتِهَا
فَالنُّورُ فِي عَيْنَيْكِ أَعْلَى مَنَابِهِ
يَا مَنْ بَدَتْ فِي الْعَيْنِ أَنْهَارُ الضِّيَا
وَكَسَتْ فُؤَادِي بِالْجَمَالِ ثِيَابِهِ
كُلُّ الْحَيَاةِ بِحُسْنِ عَيْنَيْكِ اغْتَنَتْ
وَسَمَتْ فِي الْأُفُقِ الْجَمِيلِ صَوَابِهِ
فِي خَتْمِ قَصْدِي كُلُّ حَرْفٍ نَاطِقٌ
بِالْحُبِّ فِي عَيْنَيْكِ وَ لْأَسْبَابِهِ
مَا لِلْكَلَامِ إِذَا سَكَتَّ وَعِشْتُهُ
إِلَّا جَمَالُ النَّظْرِ فِي أَحْبَابِهِ
إِنِّي أُحِبُّكِ كُلَّ يَوْمٍ أَكْثَرَا
مِمَّا رَوَتْ أَشْوَاقُهُ وَ شِهَابِهِ
فَارْفُقْ بِقَلْبِي يَا جَمِيلَةَ مُهْجَتِي
فَالْحُبُّ بَاتَ يَسُوقُنِي بِرَكَابِهِ
وَسَأَبْقَى أُحِبُّكِ فِي جَمِيعِ أَوَانِهِ
حَتَّى يَكُونَ الْحُبُّ آخِرَ مُهَابِهِ