لمن طيفُ حسناءٍ ألمَّ على نفسي
فأورثَ قلبي لوعةَ الشوقِ والوسْ
أبيتُ أراعي النجمَ والليلُ ساكنٌ
وأُضرمُ في الأحشاءِ متَّقدَ القبسِ
رأيتُ التي لو أبصرتْها صوارمٌ
لألقتْ حديدَ البأسِ هيبةَ مُفترسِ
إذا أقبلتْ هزَّتْ مشاعرَ فارسٍ
شديدِ الشكيمةِ، ثابتِ القلبِ والحدسِ
كأنَّ سنا عينيها إذا لاحَ ضوؤهُ
يُبدِّدُ ما في النفسِ من وحشةِ الغلسِ
أُكابدُ شوقًا لا يُرى غيرَ أنَّهُ
يُقيمُ بصدري مثلَ متَّقدِ القبسِ
إذا غبتِ عن عيني توارى تجلُّدي
وصرتُ كظمآنٍ يُطاردُهُ اليأسِ
وإن حضرتْ عادَ السرورُ إلى المدى
وعادَ إلى الأرواحِ ما فقدتْ من أُنسِ
لقد كنتُ لا أخشى الكتائبَ مُقبلًا
فكيفَ أُلاقي سطوةَ الطرفِ النَّعِسِ
أُطاردُ في البيداءِ خيلي وإنَّني
أسيرُ إذا مرَّ الخيالُ على النفسِ
وكم وقفةٍ يومَ الكريهةِ لم أزلْ
بها صامدًا في الهولِ غيرَ مُنكَّسِ
ولكنَّ لحظًا من عيونٍ كحيلةٍ
أشدُّ على قلبي من البيضِ والتُّرسِ
إذا ابتسمتْ فالصبحُ يكسو ربوعَهُ
بهاءً، ويجري في المروجِ مع النرجسِ
وإن عبستْ ضاقتْ عليَّ مذاهبي
وصرتُ غريبَ الدارِ في موطني أمسِ
أغالبُ نفسي أن تلينَ لصبوتي
فتأبى، كإباءِ السيفِ عند التلبُّسِ
فيا عجبًا من فارسٍ طال بأسُهُ
يُذلُّهُ حسنُ المحيَّا بلا مِترسِ
أرى الحسنَ فيها آيةً متجدِّدًا
كأنَّ بها سرَّ الجمالِ المؤسِّسِ
فلا أنا ممن يشتكي البينَ جاهرًا
ولا أنا ممن يستريحُ إلى اليأسِ
ولكنَّ قلبي كلما هبَّ ذكرُها
تدفَّقَ فيه الشوقُ تدفُّقَ مُنْبَسِ
إذا قيلَ من تهوى؟ أقولُ: مليحةٌ
تُحيي فؤادَ الصبِّ من بعدِ ما قَسِي
وما الحبُّ إلا أن ترى الروحُ روحَها
فتسكنَ بعد التيه في موطنِ الأنسِ
فإن غبتِ عن عيني فذكراكِ جنتي
وإن حضرتْ أغنتْ عن الخمرِ والكأسِ
أعيشُ على وعدِ اللقاءِ وإن نأى
وأرعى نجومَ الليلِ في وحشةِ الحرسِ
وآخرُ عهدي أنَّ قلبي وإن قسا
يذوبُ إذا مرَّ الخيالُ على النفسِ