تغيّر وجهُ العصرِ حتى كأنّه
أدار على مرآه حكمًا مُنكَّرا
فما عاد ميزانُ العقولِ براجحٍ
ولا عاد ميزانُ الضمائرِ أزهرا
تُزكّى خطايا القوم حتى كأنها
قلائدُ فخرٍ في المعالي تُسطَّرا
ويُرفع من باع المروءةَ خلسةً
ويُقصى الذي صان العهودَ وأكثرا
تُسوَّق أفعالُ الخساسةِ حِكمةً
ويُكسى قبيحُ الفعل ثوبًا مُحَبَّرا
ويُجعل من مكرِ النفوسِ فراسةً
ومن صدق أهل الحق عجزًا مُحقَّرا
تُشاد صروحٌ من سرابٍ مُموَّهٍ
ويُجنى من الأوهام مجدٌ مُزوَّرا
ويُتبع من أرضى الجموعَ تملّقًا
ويُترك من نادى الرشادَ مُحذَّرا
كأن القلوب اليوم قفرٌ موحشٌ
تُقيم بها الأهواءُ عرشًا مُسيطِرا
إذا قيل هذا الحق قالوا توهُّمٌ
وإن قيل هذا الزيف قالوا تَبَصَّرا
فيا ويح عصرٍ ضلّ فيه هُداتُهُ
وغاب به النهج القويمُ وتعثّرا
أأصبر حتى يستقيم اعوجاجُهم
وقد صار دربُ المستقيمِ مُحجَّرا؟
سأمضي وإن ضاقت عليّ مسالكٌ
وأحمل في صدري يقينًا مُنوَّرا
فليس يضيرُ الحقَّ جهلُ معاندٍ
إذا ظلّ في أفق البصائر أزهرا
سيكشف سترُ الليل عن وجه صبحه
ويُهزمُ زيفٌ في المآل مُدَحَّرا