ماتتْ أمامَ عيوني وانطوى فيها
أيامُ عمري وطاحتْ من أعاليها
سمعتُ كلَّ بقاعِ الأرضِ قائلةً
الأمُّ ماتتْ كأنَّ الكونَ باكيها
سمعتُ كلَّ بقاعِ الأرضِ قائلةً
إنّ المودّةَ قد هدّتْ مبانيها
وضعتُ كفِّي على أطرافِ خاصرتي
حيثُ الحُشاشةُ طارتْ كي تلاقيها
لم أُبْصِرِ الدّربَ حيثُ الدمعُ حاصرني
غطّى عيوني فلم أتبعْ مجاريها
وحدي أنوحُ كطفلٍ أمُّهُ رحلتْ
فالنارُ تحتي ودمعاتي مطافيها
سمعتُ إخوانيَ الباكينَ قد عتَبوا
ألستَ كنتَ من الأقدارِ حاميها؟
نظرتُ نظرةَ مكسورٍ وقلتُ لهم
لو استطعتُ بعمري كنتُ فاديها
أتسمعينَ بُكائي في منافِذِها
وتسمعينَ بكائي في لياليها؟
سمِعْتِ صرخةَ روحي كيفَ راثيها
وهلْ بحقٍّ كما جازَتْ تُجازيها
محبوبةَ القلبِ إنّ القلبَ مضطرِبٌ
ياليتَهُ قد مضى أيّامَ ماضيها
الآن أصبحتُ مقطوعاً وما كذبَتْ
عبارةٌ قلتِ لم أفهمْ معانيها
لن تعرِفوا قيمتي حتى أفارقَكم
فيا لها من معاناةٍ أعانيها
قد استوى الحالُ عندي بين ميِّتةٍ
وبين حيٍّ طوالَ العمرِ ناعيها
لقد عرَفتُ ولم أُفلحْ بمعرفتي
قد كانَ كلُّ جمالي مِن أياديها
من أينَ لي بنصيبٍ كي أُعَوِّضَها
حكايةٌ أنتِ كانَ الدهرُ حاكيها
تركتِني لمسافاتٍ بلا حيَلٍ
أمشي ورجلايَ لم تثبُتْ وماشيها
ما أخطرَ الدربَ والآفاقُ ضيِّقَةٌ
إنْ أسبقِ الحزنَ تسبقْني نواعيها
أُريدُكِ الآنَ قولي أينَ يا أمَدي؟
يا مَن بماءِ عيوني كنتُ باديها
في كلِّ يومٍ أزورُ القبرَ مُنكَسِراً
أُعانقُ القبرَ موجوعاً أُناجيها
هل تسمعانِ أيا أمّي ويا أبتي
ما أوحشَ الأرضَ إنْ لم تُشْرِقا فيها
كأنّ أركانَ جسمي كلَّها سقطَتْ
وأنّ روحي تهاوتْ من أعاليها
لا يمكنُ العيشُ في الدنيا بما رحُبتْ
ضاقتْ بيَ الأرضُ من أقصى أقاصيها
هُنّا عليكِ وصارَ البيتُ لي قفصاً
مثلُ الرعيّةِ لمّا غابَ راعيها
غادرتُ داري التي عِشْنا بها زمناً
ما دمتِ لم تسكني يا أمَّنا فيها
مرّتْ الزَّمان علينا وهي غائبةٌ
لكنّها ما نستْ يوماً أراضيها
ما زلتِ أُمّاهُ تحتلِّينَ ناحيتي
بحارَها أرضَها حتى صحاريها
جاءتْ نجومٌ فما احتلّتْ مواقِعَها
وما جرَتْ ذاتَ يومٍ في مجاريها
سمّيْتُ باسْمِكِ يا أُمِّي مدائِنَنا
ذكرى لكي لا يقولَ الناسُ ناسيها
وأنتِ يا نورَ عيني يا عروقَ دَمي
محبوبةٌ فارقَتْ دنيا أمانيها
مخبّأٌ أين لي هذا؟ فوا عجباً
كيف الأصابعُ جافَتْها أياديها؟