لم تَعُدْ عندي لكم أيُّ مَسَرَّاتٍ
ولا أيُّ سُرُورْ
كلُّنا في زَوْبَعِ الرِّيحِ رَمادٌ
كُلُّنا في عاصفِ الرِّيحِ نَدُورْ
فلِماذا نُوهِمُ النَّاسَ بأنّا
لم نَزَلْ نحنُ الشياهينَ وما زلنا النُّسُورْ؟
نحنُ لا نعرِفُ للثَّورةِ لوناً
فعلى الطفلِ نَثُورْ
وعلى الزَّوْجِ نثورْ
وعلى الجارِ نثورْ
إنَّما نحنُ أمامَ الرَّجُلِ المُحْتَلِّ
مخلوقٌ نبيلٌ
كائنٌ مُنْفَتِحٌ جِدّاً وإنسانٌ صبورْ
نحنُ أصبَحْنا لأَمْريكا سَلاحِفْ
كلُّنا نَقْرأُ أَمْريكا وأحْرَقْنا المَصاحِفْ
كُلُّنا صارَ لواشُنْطُنَ زاحِفْ
ونُسمّي مَنْ يُعاديها مُخالِفْ
ونُسَمّي مَنْ يقولْ
إنَّ أمْريكا تزولْ
إنّهُ ذَيْلٌ لإيرانَ ونحنُ أبداً لسنا ذُيولْ
كيفَ صِرْنا كائناً مُتَّكِلاً جِدّاً كَسُولْ؟
كيفَ أصبَحْنا بهذي الهَمَجِيَّةْ؟
لم تَعُدْ فينا الصِّفاتُ العربيّةْ
لم يَعُدْ فينا لسانٌ عربي
لم نَعُدْ مِنْ دمِنا نَمْلِكُ شيئاً
لمْ نعُدْ من فمِنا نَفْهَمُ شيئاً
لم يَعُدْ فينا سلوكٌ أدبي
خُسِفَتْ في دَمِنا كلُّ الموازينِ وعُدْنا
للعُصُورِ الجاهليّةْ
فإذا فتّشْتَنا لم تَلْقَ شيئاً
وَصَلَتْ فينا الخِلافاتُ إلى حَدِّ الحُرُوفِ الأَبْجَدِيّةْ
إفتِخارٌ كبرياءٌ غِيبَةٌ بُخْلٌ نِفَاقٌ عَصَبيّةْ
كُلُّنا عِثْنا على الأرضِ فساداً
كلُّنا نبحثُ دوماً عنْ هُوِيَّةْ
نحنُ مجهولونَ
والأفضلُ فيما بيننا مَنْ كانَ مَجْهُولَ الهُوِيَّةْ
بعضُنا يبغضُ بعضا
بعضُنا لا يَطْلُبُ الخيرَ لبَعْضْ
فإذا نامَ لهُ جارٌ ينامْ
وإذا ما نهضَ الجارُ نهَضْ
حسداً دأبُ الحَداثاتِ لَدَيْنا
وكأنَّ الأمرَ أمْرٌ مُفْتَرَضْ
مرضٌ فينا وما فينا مرَضْ
كلُّنا تحسَبُنا حين ترانا
نسخةً واحدةً مخلوقةً كي تقتفي نفسَ الغرَضْ
أصبحَ البخلُ دواءً
أصْبَحَ الصِّدْقُ مرَضْ
لم يعُدْ فينا لشئٍ جاذبيّةْ
لم يعُدْ فينا لمهمومٍ سرورْ
كلُّنا في عاصفِ الريحِ ندورْ
فَنُّنا أنْ نَنْبُشَ الماضي
وأنْ نأتي بِسَلْبِيَّاتِ أصحابِ الحضورْ
شتْمُنا فنٌّ كبيرْ
سبُّنا فنٌّ وهل أرقى من اللعنَةِ فَنْ؟
ليسَ في ميزانِنا للشِّعْرِ وَزْنْ
ليسَ في قيثارِنا لِلَّحْنِ لَحْنْ
حينما لا ينتمي الشاعِرُ للفِسْقِ
ولا يرتادُ أصحابَ الفُجُورْ
لمْ يعدْ للشِّعْرِ وَجْهٌ عربي
لم يَعُدْ للشِّعْرِ وَجْهٌ أدبي
لونُنا صارَ خليطا
دمُنا صارَ خليطا
شِعْرُنا صارَ خليطا
مرّةً نتّخِذُ الشاطئَ ربّاً
مرّةً نعبُرُ للهِ المُحيطا
لعنةُ اللهِ علينا
إنْ يكُنْ هذا الذي نَدْعُوهُ دِينا
لعنةُ اللهِ علينا
نشتُمُ الناسَ لشئٍ وهْوَ فينا
أيُّ جِنْسٍ نَحْنُ يا هذا؟
وهلْ تَحْسَبُنا ماءً وطينا؟
كلما أخْرَجَتِ الناسُ لنا عِلْماً
أَتَيْناهمْ حضاراتٍ وتأريخاً سَمِينا
همْ يَدُوسونَ علينا بالبَساطيلِ ونحنُ
بينَ أجزاءِ التواريخِ تبادَلْنا طَنِينا
هم يدوسونَ أبانا وأخانا وبنينا
وعلينا نحنُ أنْ نفرَحَ في عُرْسِ أبينا
مَنْ أبُونا نحنُ يا هذا؟
لقدْ نِيكَ أبونا
حَرّرونا القومُ مِن ظلمِ أبينا
فضْلُهُم كانَ كبيراً ولَهُمْ حقٌّ بأنْ يَغْتَصِبونا
لونُنا صارَ خليطاً حَقُّهُمْ أنْ يَرْسُمُونا
مثلَما أوحى لهم أربابُهم أنْ يرسمونا
فضلُهم كانَ كبيراً
نَصَرونا خَلّصونا حَرّرُونا
صورةُ الشِّعْرِ التي كنتُ أراها
لم تعُدْ تَحْلُو
وما عادتْ فنونُ المُسْتَباحينَ جُنونا
لم أعُدْ أعرِفُ للشاعِرِ معنى
لم أعُدْ أعرِفُ للشِعْرِ فُنونا
لم يعُدْ للغَزَلِ العُذْرِيِّ معنى
لم أعُدْ أعشَقُ لا وجهاً ولا شَعْراً ولا حتى عيونا
كلَّما أوشَكْتُ أنْ أكتُبَ شِعراً
قد تذكّرتُ الذينَ اغتصَبونا
لم أعُدْ أعرِفُ للشِّعْرِ كياناً
لم أعُدْ أفتَخِرُ الآنَ بشئٍ وأُكابرْ
لم يعُدْ يُطرِبُني (سَعْدُونْ جابرْ)
لم يعُدْ يُطرِبُني (داخلْ حَسَنْ)
لم تعُدْ أُغْنِيَةٌ تأخُذُني للناصِريّةْ
أنا مَصْدومٌ بما يجري على أرضِ الوطنْ
ولقد قطّعَني هذا السُّكُوتْ
أصبحَ الناسُ سُكارى
أصبَحَتْ سكرانةً كُلُّ البُيُوتْ
أتمنّى الآنَ لو أني أموتْ
ليتني الآنَ أموتْ
ليتني كنتُ ترابا
أيُّ شئٍ أكثرُ الآنَ عذابا؟
أنْ تموتي ضَحِكاً مِنْ لُعْبَةِ الدَّهْرِ
ونَفْدِيكِ رُؤوساً ورِقَابا
أمْ تعيشي كلَّ أيّامِكِ رَقْصاً واغْتِصابا؟
أنْ تطيري والمُحيطاتُ على جُنْحَيْكِ أَلْوانٌ
وأشكالٌ وألوانُكِ يُمْسِكْنَ كتابا
أمْ تَظَلِّي تَشهدي اللعبَةَ تِلْوَ اللُّعْبةِ الأخرى
وأمجادُكِ يرقُدْنَ شَبَابا؟
قدْ تَعَوَّدْنا على الموتِ
فقد مِتْنا على أرضِكِ مِنْ قَبْلُ
وقد مِتْنا بأُورُبّا اغترابا