مثلَما أعرفُ نفسي
مثلما أُتْقِنُ شربَ الموتِ بالماءِ
وأُحصيهِ بكأسي
مثلَما أُتقِنُ وضعَ الدّهرِ والدنيا
على هامةِ رأسي
مثلما أقطعُ أشجارَ الخباثاتِ بفأسي
مثلما أعرفُ نفسي
أنتَ لا تعرفُ نفسَكْ
مثلما لا تلعبُ الريحُ برأسي
تملأُ الأحقادُ رأسَكْ
مثلما يَصْدُقُ في مثلِكَ حدْسي
مثلما يصفَرُّ في أرضِ حماقاتِكَ غرسي
هكذا أهْلَكْتَ في أرضِ حماقاتِكَ غرسَكْ
مثلما يركبُ أصحابُ الحماقاتِ حميراً
قد ترَفّعْتَ وقرّرْتَ بأنْ تركبَ رأسَكْ
ولقدْ ضيّعتَ نفسَكْ
في زُحاماتٍ من الخبثِ
وفي جُبْنٍ كبيرٍ وغباءْ
حاسدٌ قدْ تُحْرِقُ النارَ
وقد تشوي بعينيْكَ الهواءْ
وإذا كلّمْتَني تحتجُّ أنفاسي
ومِن جيفةِ أنفاسِكَ تحتجُّ الجراثيمُ
ويحتجُّ الدواءْ
أشكرُ اللهَ لأنّا
لم نكنْ في ذاتِ يومٍ أصدقاءْ
أشكرُ اللهَ لأنّا
لم نكنْ في ذاتِ يومٍ أقرباءْ
أشكرُ اللهَ على هذا الجفاءْ
فأنا يقتُلُنِي الحمقى
ويكويني لقاءُ الأغبياءْ
أيها النمّامُ والحاقِدُ والفأرُ
ويا رأسَ البلاءْ
يا عدوَّ اللهِ
يامَنْ تُتْقِنُ التَّقْليدَ في اللفظِ وفي المشيِ
وفي التزويرِ والزَّيفِ
ومِنْ طبعِكَ بُغْضُ الأتقِياءْ
يا صديقَ الجبناءْ
كم تمنّيتَ لي الموتَ
وهل يعترضُ الموتُ رؤوسَ الشُّعَراءْ
كم تمنّيتَ لي السجنَ
وأمثالي وإنْ كانوا على رأيِكَ أحراراً
ولكنْ سُجناءْ
كم تمنّيتَ لي العزلةَ والبعدَ عنِ الناسِ
وعنْ كلِّ عيون الأصدِقاءْ
عُقْدَةٌ فيكَ من النَّقْصِ
ومِن علمِكَ في نفسِكَ
من أهلِ الجهالاتِ الصِّغارِ البُلَداءْ
أيّها المسكينُ
قد ضيّعتَ أوقاتَكَ ترجو لي هلاكاً
ثمّ ها أنتَ تأكّدْتَ مراراً
أننا لسْنا سَواءْ
أننا ما بيننا فرقٌ كبيرٌ
ومسافاتٌ إلى حدِّ الفناءْ
أيّها الحاسدُ قد تحسِدُني
حتى على شمِّ الهواءْ
أيّها الحاسدُ قدْ تحسِدُني حتى على موتي
وقدْ تحسدُني حتى على شربِ الدواءْ
كم تمنّيتَ بأن أنسى أنا الشِّعرَ
وأنْ تدخلَ أنتَ الشّعراءْ
كم تمنيتَ بأنْ تُصْبِحَ مثلَ الشّعراءْ
لَبِقاً مُحْتَرَماً حُرّاً رقيقاً ذا ذكاءْ
كم تمنّيتَ بأنْ نُصبِحَ يوماً أصدِقاءْ
كم تَقَوَّلْتَ افتراءْ
أننا لسْنا غريبينِ وأنّا أقرِباءْ
كم تمنّيتَ بأنْ تسرِقَ أشعاري
وأنْ تُصْبِحَ في الجاهِ ولو جاراً لجاري
كم تمنّيتَ بأنْ تسرقَ أفكاري وتستعمرَ داري
كم تمنّيتَ بأنْ تسْبي دمِي سَبْياً
وأنْ تسْبي صِغاري
وتمنّيتَ بأنْ تسرقَ مني ناقتي ليلاً
وأنْ تقتُلَني في عُقْرِ داري
أحمدُ اللهَ الذي سوّاكَ يا هذا جباناً
هكذا جنّبَني اللهُ نواياكَ
وقدْ نجّاكَ منْ شِدّةِ ناري
أنتَ يا مَنْ لو تمَكّنْتَ بأنْ تقطعَ رأسي
كانَ لا يكفيكَ آلافٌ من المرّاتِ
أنْ تقطعَ رأسي
وأنا أعرفُكَ الآنَ
كما أعرِفُ نفسي