وقرّرتُ أمْشي
فلا الأرضُ أرضي ولا الماءُ مائي
ولا الصوتُ صوتي ولا العُشُّ عُشّي
طَفِقْتُ أُمَزّقُ كلَّ الخُيوطِ التي تَرْبُطُ الرُّوحَ
بالجنَّةِ العاليةْ
طفِقْتُ أُمزّقُ كلَّ الخيوطِ التي
أمْسَكَتْ بي على الضِّفَّةِ الثانيةْ
تَقَطَّعَ قلبي مِن الرَّكْضِ في داخِلي
ومِنْ ضَغْطِهِ الصّاعِدِ النّازلِ
ومِنْ خوفِهِ الدائمِ الانتِشارْ
ومِنْ حُبِّها العاقِلِ الجاهِلي
ومِنْ عِشْقِها الطائِفِيِّ الوجودْ
ومِنْ لونِها السومريِّ الخدودْ
ومِنْ سِحْرِها البابلي
وأبْصَرْتُ أَنّي
على نَفْسِ دَرْبي الذي كنتُ أمْشِيهِ
ما زلتُ أمشي
فَخَرَّبْتُ عُشّي
وقَرَّرْتُ أنْ أركَبَ البَحْرَ حتى ولو فيهِ نَعْشِي
وقرّرْتُ هذا القرارَ الخطيرْ
وقرَّرْتُ للخَلْفِ لنْ أستديرْ
وأحمِلُ بعضي وأمْشِي
ولكِنْ إلى أينَ تمْشي؟
ومَنْ سوفَ يمْشي مَعَكْ؟
وهذا الجَناحُ الذي طِرْتَ فيهْ
إذا طِحْتَ لنْ ينفَعَكْ
تُنادي لِمَنْ يا وحيدْ؟
وقلبُكَ لنْ يسْمَعَكْ
فلا أنتَ راضٍ بمَنْ يشتريكَ
ولا أنتَ ضَيَّعْتَ مَنْ ضَيَّعَكْ
لماذا تُفارِقُ مَنْ ذابَ فيكْ
وتتبعُ مَنْ كانَ لن يتْبَعَكْ
ستبقى تُوَدِّعُ مَنْ يعتَنيكَ
وتبقى تُطارِدُ مَنْ ودّعَكْ
فيا ليتَ طاردْتَ مَنْ طارَدُوكْ
ويا ليتَ ضَيَّعْتَ مَنْ ضيَّعَكْ
تطايَرْتَ في الكونِ مِثْلَ الدُّخانْ
وغيْرُكَ في الكوْنِ لنْ يَجْمَعَكْ
تنادي على التلِّ مُنذُ الصباحْ
وبغدادُ نامَتْ ولنْ تسْمَعَكْ
صحيحٌ كلامُكَ يا صاحِبي
وما الحقُّ إلا معَكْ
ولكنني راكِبٌ هامَتي
تُنَادي ولن أَسْمَعَكْ
تصيحُ ولنْ أنسَحِبْ
مَشَيْتُ ولي رغبةٌ بالبقاءِ
ولي خاطِرٌ مُكْتَئِبْ
غريبٌ أنا منذُ كانَ العِراقْ
وفي غربَتي مُغْتَرِبْ
أُهاجرُ عنها بعيداً بعيدْ
ورُوحي لها تَقْتَرِبْ
إلى أينَ أهرُبُ مِنْ قاتِلي؟
تَوَسَّدْتُ رَمْلَ المُحيطاتِ شَرْقاً وغرباً
ولمْ أنسَ مائي ولا ساحِلي
توسّدْتُ ظِلِّي
وقدْ كنتُ أَغْلي
وأغلي
وأغلي
وقدْ مِتُّ مِنْ داخِلي
توسّدْتُ شمسَ الأصيلْ
توَسّدْتُ سعْفَ النَّخيلْ
توسّدتُ قلبي الذي كانَ لي
وكم مِتُّ منْ داخِلي
إلى أينَ أهرُبُ مِنها أنا
إلى أينَ أهربُ مِنْ قاتِلي؟
ورُغْمَ انكساري الذي تَشْهَدِينْ
ويَأْسِي مِن العالَمِ الزَّائلِ
ورُغْمَ الضَّبابِ الذي تِهْتِ فيهْ
ورُغْمَ الكُسُورِ التي هَشَّمَتْ مِفْصَلي
سأبقى وتَبْقِينَ لي