ملحمة الحزن
دمعة متأججة في رثاء الشيخ أحمد ياسين
لو أستطيعُ صَمَتُّ يا إخواني
وكتمتُ في جوفي لظى أحزاني
وحبستُ دمعي في العيونِ مُكبَّلاً
كيَدِيَّ في قيدٍ من النيرانِ
لكنَّه قد ثار حين حبستُهُ
بين الجفونِ كثورةِ البركانِ
ما كنتُ صخريَّ المشاعرِ حينما
هجم الأسى بجيوشهِ فغزاني
وكأنَّهُ يدري بأنِّي مُوهنٌ
مِمّا دها كلَّ الورى، ودهاني
خطبٌ ألمَّ بأُمَّتي، فتزلزلتْ
من هولِهِ منظومةُ الأكوانِ
خطبٌ، وكم أعيت خطوبٌ قبلهُ
هجر الكرى جرَّاءها أجفاني
خطبٌ، وهل بعد ارتحالك شيخنا
وإمامنا ياسينُ خطبٌ ثانِ
إني نظرتُ إلى الصباحِ رأيتُهُ
مُتوشِّحاً ثوبَ الظلام الجاني
ونظرتُ مُرتقِباً إلى شمس الضُّحى
غابت، وحلَّ مكانها ليلانِ
وإذا النجومُ بكلِّ ليلٍ صخرةٌ
شُدَّتْ إلى الأوتادِ بالأرسانِ
ورأيتُ عينَ البدرِ تذرفُ دمعها
والغيمُ جاد بمائهِ الهتَّانِ
والطير تأبى أن تبُثَّ غناءها
أو أنْ تجودَ بأعذبِ الألحانِ
فسألتُ:ماذا؟ هل أنا ذات الأنا
وهل الزمان أيا رفاقُ زماني
وهل البسيطةُ لم تزل بمدارها
أم أنها كفَّتْ عن الدورانِ
وسألتُ مَنْ حولي: إصدقٌ ما نما
لمسامعي، فأصمَّ لي آذاني؟
باللهِ قولوا أنَّ ما أبصرتُهُ
ضربٌ من التزييفِ والبُهتانِ
بالله قولوا أن أخباراً أتتْ
عبر الأثيرِ تموجُ بالهذيانِ
باللهِ قولوا أنَّ سمعي خانني
ومن الأسى لم تُبصرِ العينانِ
أَوَ ذاكَ ياسينُ الذي أشلاؤُهُ
كشذورِ دُرٍّ بُعثِرَتْ وجُمانِ
هذي الدماءُ الطاهراتُ عرفتها
أزكى من النسرينِ والريْحانِ
والرأسُ مُنتصبٌ كبندٍ شامخٍ
رَكَزَتْهُ فوق الشامخاتِ يدانِ
والعينُ تنظرُ للسماءِ، كأنّها
ترنو لمقعدها لدى الرحمنِ
وجبينُهُ الوضّاءُ نهرٌ سائبٌ
تجري بِهِ سُفُنُ الرُّؤى بأمانِ
واللحيةُ البيضاءُ صبحٌ مُسفِرٌ
بثَّ الضيا بضّاً بكلِّ مكانِ
والقلبُ يحتضنُ السليبَ، ونبضُهُ
سمِعتْهُ حين ترنَّمَ الثقلانِ
أرأيتَ غُثرَتَهُ هناك تحرَّقَتْ
شوقاً، وقد تركتهُ منذ ثوانِ
أرأيتَ مقعدهُ الأبيَّ كمثلِهِ
ليس الأذلَّ كمقعد السلطانِ
يا كم تلازمَ والشهيدَ أحبّةً
واليومَ أعجبُ كيف يفترقانِ
كيف استطاع الخِلُّ تركَ خليلهِ
فرداً، وكان المخلص المتفاني
قولوا بأنِّي واهمٌ ومضلّّلٌ
فيهِ العمى والجهلُ يصطرعانِ
قولوا بأني مثل سائرِ أمتي
أعمى يسيرُ بموكبِ العميانِ
ما عاد يشغلنا سوى أقواتِنا
والرقصِ عند معازفٍ وقيانِ
آمنتُ باللهِ العظيمِ حسيبِنا
ما خاب مُلتجِئٌ إلى الديّانِ
هولُ المفاجأةِ العظيمةِ راعني
وصدى الفجيعةِ داخلي أنساني
ياسينُ لم يكُ خالداً ومُخلَّداً
إلا بدارِ كرامةٍ وجِنانِ
ملكَ القلوبَ بعطفِهِ فثوى بها
متأنِّقاً كالزهر في البستانِ
يا أحمدُ الياسين لستَ بميِّتٍ
بل نحنُ، لكنْ دونما أكفانِ
أنت الشهيدُ، وإننا يا للأسى
غرقى ببحرِ مذلّةٍ وهوانِ
ما عاد فينا غيرُ صوتِ حناجرٍ
واهٍ برغمِ ضخامةِ الأبدانِ
سقط القناعُ عن الوجوهِ، فكلُّنا
يا شيخُ نحملُ سحنةَ الإنسانِ
لكنْ إذا حدَّقتَ في قسماتِنا
عربيَّةً في ثوبِ أمريكاني
إنّا غدوْنا كالنعامةِ، رأسُها
في الطينِ من خزيٍ ومن خذلانِ
نجري وراء الغربِ نبغي منهجاً
وأمامنا المنهاجُ في القرآنِ
أخذوا الحضارةَ من معينِ كتابنا
ونروم مجداً في حِمى الرومانِ
السُنَّةُ الغرّاءُ غصنٌ وارِفٌ
ونريدُ ظِلَّ المنهجِ العَلْماني
يا للأسى يا شيخُ من ساساتنا
لاذوا بصمتِ الخانِعِ المتواني
في حِضنِ أمريكا أراهم هُجَّعاً
مستمتعين بلذةِ الأحضانِ
أسيافُهُمْ أضحت دُمَىً أثريّةً
نُقِشَتْ بإتقانٍ علىالجدرانِ
ظَمِئَتْ فما شرِبَتْ دماء عدوها
جاعت فما مُدَّتْ يدٌ بحنانِ
من ليْ بسيفِ اْبنِ الوليدِ أضُمُّهُ
وأجذُّ رأس مُخادعٍ شيطانِ
من لي بجيشِكَ يا رشيدُ أقودُهُ
لأَدكَّ حِصنَ مُخنَّثٍ وجبانِ
مَنْ لي برمحٍ سمهريٍّ شامخٍ
من لي بسيفٍ مُصلَتٍ وحِصانِ
سأُعلّم اْبني، رُبَّما من صُلبِهِ
يأتي صلاحُ محطِّم الصُّلبانِ
سأعلمُ ابني أنْ يكونَ مُجاهِداً
بالنفسِ، لا بمشاعرِ ولسانِ
وأقولُ يا ولدي أبوكَ وجيلُهُ
عجزوا، فخُذْ ثاراتِ جيلٍ فانِ
قتلتك إسرائيلُ، لا بل ضعفُنا
وكلاهما يا شيخنا سيّانِ
النار تحرقُ والسكوتُ كذالكم
فاعجبْ لصمتٍ حارقٍ أعياني
واعجب لصاروخٍ يواجهُ مقعداً
يا لاختلال العدلِ والميزانِ
شارونُ يبني جيشَهُ وعتادَهُ
ونغطُّ في نومٍ لذيذٍ هاني
هم من دمانا أبرياءُ، وإننا
صُنّاعُ إرهابٍ بكلِّ مكانِ!
إن دُكَّ بُرجٌ، دُمِّرَتْ بغدادُنا
أو مات هِرُّ جِيئَ بالأفغاني
وإذا تعثَّرَ كلبُهُمْ في خطوِهِ
فالعُربُ والإسلامُ مُتَّهَمانِ
لهم السلاحُ قديمُهُ وحديثُهُ
ولنا الردى أو قبضةُ السجّانِ
خسِئوا، فإنَّ دماءنا موتٌ لهم
سيروْنَهُ يا شيخُ كلَّ أوانِ
أجسادنا متفجراتٌ أُقِّتَتْ
لتدكَّ حِصن البغي والطغيانِ
ولسوف نأخذُ ثأرَ كلِّ مجاهِدٍ
بذلَ الدماءَ لنُصرةِ الأوطانِ
يا من عبرت بنا حدود خنوعنا
وأضأْتَ قِنديلاً بكلِّ جَنانِ
وزرعتَ في كلِّ القلوبِ محبَّةً
وغرستَ فيها من عظيمِ معانِ
علّمتنا أن الشهادةَ مطلبٌ
ليست تُنالُ براحةٍ وأماني
وبأنّ من رام الخلودَ مضى لهُ
مُتوثِّباً بعزيمةِ الشجعانِ
صليتَ فجركَ ثُمَّ جاوزت المدى
نحو الخلودِ وجنة الرضوانِ
فانعم بصحبةِ أحمدٍ خيرِ الورى
واحصد جزاء البرِّ والإحسانِ
إن كنت قد فارقتنا في لحظةٍ
فلعلَّ فيها نقطة الغليانِ