نِضْوُ السُّهاد أطال من إغفائه
وشفاه شافي المَوْتِ من بُرحائِهِ
ألقى عصاهُ، واستراح بمرفَأٍ
يلقَى المجاهد فيه حسن جزائه
مات الذي لم ينس مصرًا، والرَّدى
يمشي بطيءَ الخطو في أعضائه
مازال في الميدان يحملُ سيفهُ
ويصولُ حتى خرَّ من إِعيائهِ
كان الهُتافُ لمصرَ كلَّ أنينِه
فوق الفراش، وكان بعضَ دوائه
عبدُ العزيز خلا بمصرَ مكانهُ
في طول ساحته، وعرض فضائه
كَونٌ برَمَّته خلا من أهله
يا من لهذا الكون بعد خلائه؟
هبةُ الهباتِ سخا الزمان بها على
هذا الوجودِ، وضنَّ بعد سخائه
لهفي عليه وألفُ لهفيَ ما خبتْ
شمسُ الضحى، وحبا شعاعُ ذكائه!!
الموتُ أطفأ ذلك الذهن الذي
عجز الضنا والشَّيبُ عن إطفائه
جسمٌ نحيلٌ، غيرَ أنَّ وراءَهُ
أفُقًا يتيه الظنُّ في أرجائه
وقريحةً نفَّاذةً، لو وكَّلت
بالغيب، ما عيَّت بكشف غطائه
قالوا: السياسةُ، قلتُ: كان إمامَها
أما القضاءُ، فكان بدرَ سمائه
كم جولةٍ في مجمع الفصحى له
بين النجوم الزُّهرِ من علمائه
والعبقريّةُ أينما وجَّهتها
تسمو بصاحبها على نظرائه
لمَّا نعى شيخَ القُضاةِ نعاتُه
قلنا: قضاءُ الله فوقَ قضائه
حُكْمٌ مضى كالسَّهم فيمن حكمهُ
قد كان مثلَ السهم عند مَضَائه
بكتِ العدالةَ يومَ مات، كأنهُ
صخرٌ بكته مُقلَتَا خنسائه
عرفتهُ يفني في سبيل حياتها
ويقيمُ حائطها على أَشلائه
دُستُورها ما خَطَّ من أحكامه
وتناقلَ الفُقهاءُ من آرائه
مات الذي اشترك الأحبةُ والعدا
بقلوبهم في نَعْيه وبُكائه
لا تَنشُروا الأزهارَ حولَ ضريحه
فخلاله ينفَحْنَ في أنحائه
هَتفَتْ شمائلُهُ بملءِ لَهاتِها
تَرثيه قبل هُتافنا برثائه
والله ما نظمَ الرثاءَ لراحلٍ
كَلِسانِ ما أسداه من آلائه
ومن الثناءِ: مُمحَضٌ، ومموَّةٌ
لكنّ صدقَ القول غيرُ ريائه
هذا الذي ولَّى نقيَّ الثوب؛ ما
من شبهةٍ علقت بذيل ردائه
قد كان أرفعَ قيمةً من دهره
وأجلَّ من حِرمانهِ وعطائه
النّفيُ لم يقدر على إخضاعهِ
والحُكمُ لم يقدر على إغرائه
من أجل مصرٍ ما يجيشُ بصدره
من حُبِّه للناس أو بغضائه
وإذا أحبَّ، فلن تراهُ محابيًا
شتَّان بين: حبيبه، وحبائه
يهوى ويَقلِي، وهْو في كلتيهما
بالعقل مغلوبٌ على أهوائه
وينالُ بالإسفاف منه غريمُهُ
وبغير ذاكَ ينالُ من غُرمائه
خصمٌ شريفٌ إذ يصول، وربما
أغضى، فكان القتلُ في إغضائه
حُرٌّ، حميُّ الأنف، إن سيمَ الأذى
فالموتُ كلُّ الموت دون رضائه
أنفٌ، لو أن الخُلدَ شيبَ هواؤهُ
بغبار ضَيمٍ، عاف شَمَّ هوائه
وصراحةٌ في الرأي بيديه وإن
لم يَرضَ ذو الجبروتِ عن إبدائه
عجَبي له؛ كيف استطاعَ الصدقَ في
لغة السياسة وهْي من أعدائه؟
قد كانَ في هذا الزمان وأهلِه
معنى جميلاً في كتابٍ شائه
لو كان صادفَ مثلَه «دوجينُ»، لم
يبحث عن الرجل الشريف التائه
هذا الرُّفاتُ سجلُّ أكبرِ ثورةٍ
بالله، لا تطووهُ عن قرَّائه
خُطُّوا على مرأَى العيون ضريحةُ
ثم اكتُبوا التاريخَ من إملائه
وخذوا الحقائق عنه بعدَ مماته
والميْتُ مؤتَمَنٌ على أنبائه
هذا بقيَّةُ معشرٍ قد خطَّ في
صُحُف الجهاد كتابَه بدمائه
اليومَ نفقدُ صاحبيه بفقده
فَنِيَ الثلاثةُ جملةً بفنائه
لما أهابَ النيلُ في الجُلَّي بهم
لبَّوْه أطهرَ أنفسًا من مائه
فتَحوا على المحتلِّ بابَ عريِنِهِ
ولَقوهُ وهْو يتيهُ في غُلوائه
وسلاحهُ بدم العدوِّ مخضَّبٌ
والنصرُ معقودٌ بظلِّ لوائه
كي يَنْزِعوا من بين فكَّيهِ لهم
حقًّا صُراحًا حان يوم قضائه
ما كافَئُوه قوَّة، لكنهم
بالحق والإيمان من أكفائه
رُحماكَ يا عبدَ العزيز! أفَلتَ في
ليل يضلُّ النجمُ في ظلمائه
رحماك! مازال الدخيلُ يجوسُ في
أرض الحمى، ويطيرُ في أجوائه
ليتَ المنيَّةَ أملتْكَ هُنيهةً
حتى تَرى عيناك يومَ جلائه!
هيهاتَ! لا طاحت به حربٌ، ولا
نَجَحَت عُهُودُ السلم في إقصائه
في كلِّ يوم: علَّةٌ لبقائهم
تبدو بوجهٍ غاضَ ماءُ حيائه
أدّيتَ للأوطان كاملَ حقِّها
لكنّ حقَّك لم تَقُم بأدائه
لو كان أنصفَك الحمى ميْتًا، غَدَا
مثواك فيهُ يطافُ حول بنائه
لكنَّه وطنٌ يحُطُّ الشوك في
طُرقات من يسعى إلى إعلائه
يا رُبَّ دستورٍ نظمتَ بنودَه
نظمَ الجمان، وكنتَ كبشَ فدائه
يا كابَر الأحرار، حزُبك رِيعَ في
حرٍّ أبيِّ النفس من خلفائه
جدَّدتَ أحزانَ الحمى في معشر
إن يَشْكُ داءً، كان بلسمَ دائه
«عدلي»، ومَن عدلي، «وثروتُ»وهُو
مَن هو في أصالة رأيه ودهائه
ومحمدٌ ولَّى، ومن كمحمدٍ؟
مَن مثلُه في نُبلِهِ وإبائه؟
نفر إذا الدستور في مصرَ انتمى
فَهُم الكرام الصِّيدُ من آبائه
حَكَمُوا، فما عبثوا بأموال الحمى
وشَرَوا سعادتهم بطول شقائه
أو خاصموا المحتلَّ خارجَ حكمهم
فإذا تولَّوا بادروا بوَلائه
يا وافيًا بعهوده لبلادِهِ
ولكلِّ مَن عرفوه من خُلَطَائه
ولوردةٍ عائت حياةَ الورود، ما
راعَ ابنها، أو راعَها ببنائه
لله درُّك؛ تُنصفُ الأمواتَ في
زمن تفشَّى الجَورُ في أحيائه!
أقسمتُ، أنك في وفائك منَّةٌ
لرجال عصرك في رقابِ نسائه
قالوا: «السّموءَل»، قلتُ: لو أدركته
لم يضربوا أمثالهم بوفائه
عبدَ العزيز، ولا أزيدُكَ خبرةً
بالموت، كلٌّ شاربٌ بإنائه
قد كنتَ تبقى لو تكفَّلت العلا
والمكرماتُ لربِّها ببقائه
لكنَّ عدْوىَ الموت عدوى لم تزل
من آدمٍ تسري إلى أبنائه
يَهني سماءَ الله أَنَّكَ جارها
والخُلدَ أنك نازلٌ بفنائه
أقسمتُ، لو جَزعَ الصباحُ على امرئٍ
ما لاحَ بعدك مُشرقًا بضيائه!