يا سائلاً عن مجدِ الحروفِ وعنْ علا
شِعري وعنْ نارٍ تُضيءُ من القِدَمِ
هذا بيانُ القلبِ تسطَعُهُ يدٌ
خُلِقَتْ على لَهَبِ الهوى ثوبَ تَسَلُّمِ
وَهذي مُعَلَّقتي أجيءُ مُعَلِّناً
أنّي خَصَمتُ شِعرَ زهيرٍ بالكَلِمِ
أَقَفْتُ على أَطْلالِ سارةَ خاشِعاً
وَخَفْقُ فُؤادي في الدُّجى خَفْقُ مُعتَصِمِ
وَدَوْرُ الرَّدى حولي يُنَكِّسُ رُوحَهُ
كما نُكِّسَ البدرُ المُسافِرُ في الظُّلَمِ
وَقُلتُ لِدارٍ غابَ وَهْجُ جِمالِها
أَأَنتِ لِعَيْني بَعْدَ سارةَ مِنْ عَلَمِ
فَأَجْفَلَ صَوتُ الرِّيحِ يَبكي رَسْمَها
كَأَنَّ صَداها مِنْ جَوانِحِهِ مُنْهَدِمِ
هُنالِكَ سارَتْ والمَساءُ مُؤَلَّهٌ
وَفَجْرُ الصَّبا يَسري على ثَغرِها المُبتَسِمِ
تَرَكْتِ بِقَايَاكِ الهَوينى كَأَنَّها
نُجومٌ تَساقَطُ في ضُلوعي من الغَمَمِ
وَما زالَ نَبضُ البانِ يُشعِلُ ذِكرَكُمْ
فَيَهتزُّ قلبي كالخَميلةِ في النَّسَمِ
وَدَارُكُمُ لِلْحُسنِ تاجٌ غابَ عن
زَمانٍ يُقَلِّبُ نَفْسَهُ صَفْواً وَسَقَمِ
فَلَوْ جُمِّدَتْ روحُ المكانِ بلَيلِهِ
لَظَلَّتْ عُيونُ الحُبِّ تَرقُبُهُ بِهِمِ
هُنالكَ كانت تُورِقُ الأرضُ وَجْدَها
فَيَخصُبُ فَقرُ العِطرِ في تُربِها الدَوَامِ
وَكُنتُ إذا هَبَّ النَّسيمُ لِخُطوَها
شَهِقتُ كَمَنْ رَوَّاهُ كأسٌ مِنَ الوَهَمِ
وَما زِلتُ أعْلَمُ أنَّ صبريَ مُذنِبٌ
بِذِكراكِ يا مَنْ صِدقُها أوسَعُ النِّعَمِ
وَأَنَّكِ تاجُ الحُسنِ سارةُ لا التي
تُقاسُ بزينِ الغيدِ أو تَزدَهي لهِمِ
وَأَنَّكِ أمٌّ لابنِ محمدٍ وبَهْجَةٌ
تُزَيِّنُ في عَيْنَيَّ دَرْباً مِنَ الحُلُمِ
أُحِبُّكِ حُبّاً لو تَنفَّسَ شُعْلَةً
لَصَارَتْ جِبالُ الحُبِّ تَحترقُ مِنْ حَمَمِ
وَلَوْ أنَّ صبري في فِراقِكِ نَخلَةٌ
لَمَالَتْ بِهِ الأيّامُ من طُولِهِ العَدَمِ
سَأَلتُ اللَّيالي هَلْ تُعيدُ مُحَبَّةً
فَقالتْ مَضى مَن غابَ وامَّحَ مِنْ إرَمِ
فَقُلتُ وَإِنْ غِبتِ فَإِنِّي مُقيمُها
بِروحٍ تُقاوِمُ بالمَحبَّةِ كُلَّ غُمَمِ
وَعُدتُ إلى دَربٍ سَلَكناهُ مَعاً
فَيَنبُضُ في صَمتي كَأَجراسِ مُبتَهَمِ
وَما زالَ يُخضِرُّ الطَّريقُ إذا خَطَتْ
طِباعُكِ فيهِ كالغَمامِ على العَلَمِ
وَإِنْ ضَحِكَتْ سارةُ انثنى ضوءُ شمسِها
وَمالَ لَهُ البدرُ السَّمائيُّ بالكَرَمِ
وَوَجْهُكِ في نورِ الصَّباحِ كَلَونِهِ
إذا سالَ آلُ اللَّيلِ مِنْ حُلَلٍ سُجُمِ
إذا ذَهَبَتْ سارةُ تَخَلَّفَ نورُها
يُغَطّي دُجى اللَّيلِ الذي يَفنى بالرَسَمِ
وَإِنْ زارَتِ الرِّيحُ السُّكونَ سَمِعْتُها
تُعيدُ صَفاياكِ التي سُرِقَتْ بِمقِسَمِ
وَإِنِّي لَأَبني في الخَيالِ مَنازِلاً
لَها عَلَّها في القلبِ تَنهضُ مِنْ هَدَمِ
وَأَعلَمُ أنَّ الحُبَّ دينٌ صادِقٌ
يُقامُ على العَهدِ المُهَذَّبِ مِنْ قِيمِ
وَأَنَّ هَواها في دِمائي سَرْبَلٌ
تَسيرُ شُعاعاً في العُروقِ بلا سَأَمِ
وَمَهما تَغَيَّرَ دَهرُنا أو تَنَكَّرَتْ
صُروفُ الليالي فالهَوى باقٍ كالخَتَمِ
تَغيضُ لنا الأيّامُ ثم تُفيضُها
وَيَبقى هَواها في ضُلوعي كالحَلَمِ
وَكَمْ قُلتُ يا رَبِّي لَعَلَّكَ تَرحَمُ
فَتَرُدُّها داراً على خُطُواتِهِمِ
وَهذي قَوافٍ ما ارتَضَتْ غَيرَ صِدقِها
تُقَدَّمُ لِلدَّهرِ المُعانِدِ كاليَمَمِ
وَما الشِّعرُ إِلّا صَهوَةُ القلبِ إِنْ دَعا
فَأَجابَهُ المِقدامُ لا الخائفُ القَزَمِ
وَها أَنا ذا في السَّطرِ أَعلَنُ وَقْفَتي
على بابِ عِشقٍ لا يَزولُ ولا يُهِمِ
أُنادي ظِلالاً منكِ يا سارةُ التي
تُنادي بِقلبي حَيثُ يَمشي على الحِشَمِ
وَأَبني على الدَّمعِ الجَسورَ إلى اللِّقا
لَعَلَّ بِها سِرُّ الرُّجوعِ إلى النِّعَمِ
فَإِنْ يَغتَسِلْ وَجهُ الدُّجى مِنْ عَبيرِها
تَسامى عَلَيهِ النورُ كالشَّعْلَةِ الضَّرِمِ
وَإِنِّي لَأَعلَمُ أَنَّ روحيَ لَم تَزَلْ
تُقَصِّرُ عن إدراكِ حُسنِكِ في السُّحُمِ
وَأَنِّي رَأَيتُ الدَّهرَ يَفنى ضِياؤُهُ
وَقُمتِ فَما فَنِيَ الجَمالُ ولا انْثَلَمِ
وَما زالَ عَهدُ الوَصلِ يَحمي سِرَّهُ
وَإِنْ خافَ مِنْ حَدَثِ الليالي أو هَرَمِ
سَيَذكُرُنا التاريخُ إِنْ جُنَّ لَيلُهُ
بِأَنِّي هَوِيتُ وأَنَّ حُبَّكِ كالعَلَمِ
وَأَنِّي وَقَفْتُ اللَّيلَ أَرثي ظِلالَها
فَخَرَّصَ قلبي في الرِّثاءِ على الكَلِمِ
وَأَنِّي إذا ما حَنَّ صَوتُكِ لاحَ لي
طَريقٌ يُنادي في الفُؤادِ بلا نَدَمِ
وَنادتْ بَقايا الطَّيفِ عُدْ نَحوَ رَبْعِها
فَهذي المَنايا لا تُفَرِّقُ مَنْ غَرِمِ
فَعُدتُ كَأَنَّ القلبَ يَحملُ سَيرَهُ
على مُهْجَةٍ تَحصي الزَّمانَ بلا سَقَمِ
وَقالتْ رِياحُ البانِ وَهيَ مُبَشِّرٌ
تُعيدُكِ شمسُ الحُسنِ مِنْ بُعدٍ مُظَلَّمِ
فَلَمَّا أَتى طَيفُ الجَمالِ مُقَبِّلاً
تَفَتَّحَ لي لَيلٌ وأُغلِقَتِ الرَّهَمِ
وَقُلتُ إلهي قَدْ خَلَقتَ حَبيبَتي
فَزَيَّنتَ فيها الحَسنَ مِنْ خَلْقٍ حِرَمِ
وَقَدْ جِئْتُ بالشِّعرِ الذي لا يُجارِهُ
قَريضٌ ولا يَرقى لَهُ الفَحلُ مِنْ قِدَمِ
وَها أَنا ذا في آخرِ الدَّهرِ قائِماً
أُحَطِّمُ أبوابَ البَلاغةِ بالقَلَمِ
وَأَبني على أمجادِ زهيرٍ فَوقَهُ
لِأَكتُبَ ما تَعيا اللَّيالي عن الفَهَمِ
وَهذي قَوافٍ مِنْ فُتوكِ مُعَلَّقٌ
بها المَجدُ لا يَرقى لِسانٌ إلى السَلَمِ
فَلَوْ أَنَّهُ عاشَ امرؤُ القَيسِ فاغِراً
فَماً لاستَحى مِنْ ضَوْءِ حَرفي المُلتَزِمِ
وَلَوْ أَنَّها قَيسٌ وعُذريُّ الهَوى
لَماتَ بِأَوَّلِ ما جَرَتْ روحي هِيَمِ
أَنا شاعِرٌ إِنْ قُلتُ يَحفَظُني الدُّنى
وَإِنْ صَمَتَتْ ماتَ الصَّمتُ مِنْ وَجْدِيَ المُلتَئِمِ
وَأَدري بِأَنَّ اللَّيلَ يَرجُفُ خَوفَهُ
إذا مَرَّ طَيفُكِ في السَّحابِ على الظُّلَمِ
وَأَنَّ الصَّبا إِنْ مَرَّ في دَربِنا غَدا
كَغَيمٍ يُقَبِّلُ زَهرَةً عَطِشَتْ لِعَمِ
وَأَنَّ الهَوى دينٌ وَعَهدٌ وَعِصمَةٌ
وَأَنَّ الفِراقَ جِنايَةٌ دونَها النَّدَمِ
وَحُبُّكِ بَحرٌ إِنْ رَكِبتُ مُحيطَهُ
أَقامَ جَبينَ الرِّيحِ مِنْ بَعدِ ما انهَدَمِ
وَإِنْ ضِقتُ بالدُّنيا فَإِنِّي أَرى بِها
مَلَاكاً يَمُدُّ الجَفنَ نَحوَ هَوىً سَلِمِ
وَهَذِي خِتَامُ الْقَوْلِ فِي مُعَلَّقَةٍ
تُقَاسُ عَلَيْهَا السَّبْعُ فِي سَالِفِ الْأُمَمِ
هذي مُعَلَّقَتي وخاتمةُ العَصرِ الذي
سَيُحفَظُ فيها اسمُ سارةَ كالهَرَمِ
كَتَبتُ على جُدرانِ دَهرِكَ مُعجِزاً
تَعجِزُ عَنهُ الفُصحاءُ في سالِفِ الأُمَمِ
فَإِنْ سُئِلوا مَنْ شاعِرُ الحُبِّ المُعَلَّقُ
قِيلَ عَمّارٌ والسَّيفُ في القلبِ مُنتَظِمِ