وَقَفْتُ بِدَارٍ كَانَ حُسْنُكِ سِرَّهَا
فَأَضْحَى الثَّرَى يَبْكِي جَمَالاً مُؤَبَّدِ
فَيَا دَارُ سَارَا هَلْ تُرَى عَادَ عِطْرُكِ
فَإِنَّ صَبَاكِ الْيَوْمَ كَالطَّيْفِ مُبْتَدِ
هُنَا ضَحِكَتْ أَيَّامُنَا ثُمَّ أَدْبَرَتْ
كَغَيْمٍ تَجَلَّى ثُمَّ وَلَّى مُبَعَّدِ
تَصَدَّعَ مِنْ شَوْقِي جِدَارُ فُؤَادِهِ
فَصَارَ كَبَيْتٍ مُنْهَكٍ لَمْ يُجَدَّدِ
وَيَا دَارُ مَا زَالَتْ بَقَايَاكِ شَاهِدًا
عَلَى أَنَّ دَمْعَ الْعَاشِقِ الْيَوْمَ مُوقَدِ
هُنَا كُنْتِ يَا سَارَا تُنَادِينَ رُوحَهُ
فَيَنْهَضُ كَالطَّيْرِ الْمُفَدَّى مِنَ الْقَيْدِ
وَهُنَا سَمِعْتُ الْوَعْدَ مِنْكِ بِأَنَّنَا
سَنَمْضِي مَعًا حُبًّا وَنَرْعَى تَجَدُّدِ
فَوَلَّتْ لَيَالِي الْوَصْلِ لَكِنَّ ذِكْرَهَا
يُقَطِّرُ شَوْقًا فِي الْفُؤَادِ الْمُجَسَّدِ
تَذَكَّرْتُ أَيَّامًا لَنَا كَانَ صَفْوُهَا
كَرَيْحَانَةٍ فِي نَسْمِ آصَالٍ تُغَرِّدِ
وَمَا زَالَ نُورُ وَجْهِكِ الْبَدْرُ سَاطِعًا
يُلَاحِقُ رُوحِي كَاشْتِعَالٍ مُسَهَّدِ
فَيَا دَارَهَا أَنْتِ الشَّهِيدَةُ بَيْنَنَا
عَلَى أَنَّ حُبًّا كَانَ بِالْمَجْدِ مُسْنَدِ
تُخَاطِبُنِي الْأَرْكَانُ أَيْنَ حَبِيبُهَا
فَأُسْقِطُ دَمْعًا فَوْقَ دَمْعٍ مُهَدْهَدِ
وَأَقُولُ هَذِي الدَّارُ تَبْكِي سَرَارَهَا
فَيَا لَيْتَ عَوْدًا يُرْتَجَى لِمُجَدَّدِ
وَيَا سَارَا مَا زَالَ صَوْتُكِ مُرْنَمًا
كَأَلْحَانِ وَرْقَاءٍ عَلَى الْغُصْنِ تُنْشِدِ
أُقَلِّبُ فِي الْأَطْلَالِ أُمْنِيَّةَ اللِّقَا
فَأَلْقَى جِرَاحًا فِي دُمُوعِي تُؤَيَّدِ
هُنَا ضِحْكَتِ فَالْوَرْدُ يَشْهَدُ أَنَّهُ
تَفَتَّحَ يَوْمًا فِي الرِّبَى الْمُتَوَرِّدِ
وَهُنَا سَمِعَتْ رُوحِي بَرِيقَ خُطَاكِ إِذْ
مَرَرْتِ كَفَجْرٍ فِي الدُّجَى الْمُتَبَلَّدِ
وَمَا زِلْتُ أَرْجُو أَنْ تَعُودِي وَلَوْ رَمْقًا
فَإِنِّي لَأَنْتِ الْيَوْمَ بِالْعَهْدِ مُولَدِ
فَيَا لَيْلَ أَشْجَانِي عَلَيْكِ أَمَا تَرَى
فُؤَادًا كَحَرْفِ الصَّبْرِ بِالْكَرْبِ مُقْعَدِ
وَيَا صَبْحَهَا هَلْ تُرْجِعِينَ بَرِيقَهَا
فَقَدْ بَلَغَتْ رُوحِي مَدَى الْبَيْنِ مُنْفَدِ
أُنَاجِي رُجُومًا فِي السَّمَاءِ كَأَنَّهَا
رُسُلٌ تُؤَرِّخُ حُزْنَ قَلْبٍ مُوَثَّدِ
وَأَشْهَدُ أَصْلَابَ الرِّيَاحِ كَأَنَّهَا
تُعِيدُ نَفَسًا كَانَ مِنْ قَبْلُ يُورِدِ
وَأَمْشِي عَلَى رَمْلِ الدِّيَارِ كَأَنَّهُ
سَرِيرُ هَوًى بَيْنَ الضُّلُوعِ مُسَدَّدِ
وَيَا دَارُ كَمْ فِيكِ انْطَوَى مِنْ حِكَايَةٍ
لَهَا الْقَلْبُ لَا يَرْضَى سِوَاهَا بِمَسْنَدِ
هُنَا خَفَقَتْ رُوحِي وَذَابَ صَمِيمُهَا
كَمَاءِ الثُّلُوجِ إِذْ ذَوَى غَيْرَ مُبْلَدِ
وَيَا سَارَا مَا زِلْتِ فِي الْخُلْدِ صُورَةً
تُجَلِّلُ عَيْنِي بِالْجَمَالِ الْمُقَيَّدِ
أُسَائِلُ لَيْلَ الْبَيْنِ هَلْ عَادَ طَيْفُهَا
فَيَرْفُضُ صَمْتًا فَوْقَ صَمْتٍ مُسَرْبَدِ
وَيَا ذِكْرَهَا مَا زِلْتَ تَجْرِي كَأَنَّنِي
سَبِيلٌ جَرَى فِيهِ الْحَنَانُ الْمُؤَكَّدِ
فَأَنْتِ شَذَاهَا مَا تَهَادَى عَلَى النَّدَى
وَأَنْتِ صِبَاهَا فِي فُؤَادِيَ مُنْشَدِ
وَلَوْلَاكِ مَا كَانَ الْهَوَى مُتَمَسِّكًا
بِلَوْنِي وَلَوْنُ الصَّبْرِ فِي الْحُزْنِ يُفْسِدِ
تَهَادَتْ رُؤَاهَا فِي فُؤَادِي كَأَنَّهَا
سَرَابُ خَيَالٍ فِي فِجَاجٍ تَبَدَّدِ
أُقَبِّلُ أَطْلَالاً تَعَفَّرَ رَمْلُهَا
كَأَنِّي أُحَيِّي صَوْتَهَا الْمُتَوَقِّدِ
وَمِسْكُ شَذَاهَا فِي الثَّرَى مَا تَفَتَّحَتْ
رِيَاحٌ عَلَيْهِ إِلَّا بَدَتْ لِي بِمَوْعِدِ
أُسَائِلُ دَمْعِي هَلْ تُرَى عَادَ وَجْهُهَا
فَيَسْكُبُ دَمْعًا فَوْقَ دَمْعِي الْمُفَنَّدِ
وَيَا لَيْلَ كَمْ تُخْفِي الصَّبَاحَ تَعَمُّدًا
وَتُذْكِي جَوَى فِي جَوَانِحِ مُسْهِدِ
إِلَى أَنْ تَجَلَّى طَيْفُهَا مُتَمَائِلاً
كَظِلٍّ يُنَادِي عَاشِقًا لَمْ يَتَرَدَّدِ
فَقُلْتُ لِطَيْفٍ زَارَ قَلْبِي مَهَلْكُمْ
فَإِنِّي عَلَى الْعَهْدِ الْقَدِيمِ بِمُهْتَدِ
وَمَا زَالَتِ الذِّكْرَى تُؤَجِّجُ حُزْنَهَا
كَنَارٍ تُراوِدُ فِي الْهَشِيمِ الْمُوقَدِ
سَرَارَا تُنَادِي هَلْ تُرَى عَادَ أَهْلُهَا
فَيَرْتَدُّ صَدْى الشَّوْقِ صَدْرًا بِمُنْشَدِ
وَيَا دَارَهَا مَا زِلْتِ تَسْطَعُ بَيْنَنَا
كَبَدْرٍ تَسَامَى فِي الْفَضَا الْمُتَوَرِّدِ
وَقَفْتُ وَتَحْتَ الرِّجْلِ تُزْهِرُ تُرْبَةٌ
كَأَنَّ صَبَاهَا عَادَ فِيهَا لِيَشْهَدِ
فَلَمَّا سَكِرْتُ بِالصُّوَرِ الْمُتَرَادِفَا
هَفَتْ لِي رُؤًى مِنْ جَفْنِ دَمْعٍ مُهَمَّدِ
وَمَا أَنَا إِلَّا مُسْتَهَامٌ بِذِكْرِهَا
يُقَبِّلُ صَخْرًا كَانَ وَجْهًا لِمَوْعِدِ
أُعَانِقُ رَمْلَ الدَّارِ شَوْقًا كَأَنَّهُ
ثَرًى قَدْ تَعَمَّدْتُ السُّجُودَ لِمَرْقَدِ
وَيَرْجِعُ صَوْتُ الرِّيحِ يَنْقُلُ هَمْسَهَا
كَنَبْأٍ أَتَى مِنْ غَائِبٍ مُتَشَحِّدِ
هُنَا كُنْتِ يَا سَارَا تُنَادِينِي ضُحًى
فَيَغْمُرُنِي صَوْتٌ كَغُنْجِ الْمُغَرِّدِ
هُنَا ضِحْكُكِ الْعِذْبُ انْسَلَّى مُتَدَفِّقًا
كَغَيْمٍ تَفَجَّرَ فَوْقَ بَيْتٍ مُهَنَّدِ
وَهُنَا كُنْتُ أَرْجُوكِ الْبَقَاءَ فَمَا بَقِي
سِوَى ذِكْرَةٍ تُجْرِي فُؤَادِي لِمَوْقِدِ
فَيَا دَارَهَا جُودِي عَلَيَّ بِنَظْرَةٍ
لَعَلَّ رُؤَى الْعِشْقِ الْعَتِيقِ تُجَدَّدِ
عَلِمْتُ بِأَنَّ الدَّهْرَ لَا يُبْقِي مُحِبَّةً
وَلَكِنَّهُ يُبْقِي جَوَاهُ بِمَوْعِدِ
أَأَذْكُرُ سَارًا وَاللَّيَالِي شَوَاهِدٌ
عَلَيَّ وَتَبْقَى فِي الضُّلُوعِ كَمِعْقَدِ
فَيَا لَيْتَ أَيَّامًا مَضَتْ فِي مَسَرَّاتٍ
تُعَادُ لَنَا مِنْ بَعْدِ دَهْرٍ مُبَعَّدِ
وَيَا دَارُ كَمْ طَافَ الْفُؤَادُ بِرَبْعِكِ
كَمَيْمُونٍ يَنْقُبُ سِرَّهُ غَيْرَ مُسْنَدِ
فَإِنْ غَابَتِ الْأَيَّامُ فَالشَّوْقُ حَاضِرٌ
يُخَالِطُ نَبْضِي خَالِطَ الْمَاءِ بِالْوَرْدِ
وَإِنِّي لَيَوْمَ الْبَيْنِ أَبْكِي كَأَنَّنِي
فَقَدْتُ جِبَالاً مَا لَهُنَّ بِمَأْحَدِ
أُسَلِّمُ إِذْ ذَلَّ الزَّمَانُ تَحَمُّلاً
وَأُقْسِمُ أَنْ لَا أَنْحَنِي الْعُمْرَ فِي رَدِّ
وَإِنْ جَارَ هَمٌّ أَوْ تَغَشَّى مَصَابُهُ
فَقَلْبِي عَلَى ذِكْرَى سَرَارَا بِمُهْتَدِ
وَمَا زِلْتُ أَرْجُو أَنْ تُلَبَّى أُمَانِي
تُجَدِّدُ مَا أَبْلَى الزَّمَانُ مِنَ السَّدِّ
فَإِنْ عَادَ مِنْ طَيْفِ الْ الْحَبِيبَةِ مَرْقَدٌ
سَقَيْتُ رُبَاهُ الدَّمْعَ مِنْ نَبْعِ مُوقِدِ
وَخَتْمِي صَلَاةٌ لِلْمَحَاسِنِ كُلِّهَا
عَلَى سَارَةٍ يَا حُسْنَهَا يَوْمَ تُحْمَدِ