أَلَا إِنَّ دَارَ الْحُسْنِ قَدْ بَاتَ يَبْكِيهَا سَفَرْ
وَفِي قَلْبِ مَنْ يَهْوَى تُسَعَّرُ بِالشَّرَرِ
مَرَرْتُ وَكُلُّ الْأَرْضِ يَنْعَى بِمُهْجَتِهِ
كَأَنَّ صَدَى الْمَاضِي مِنَ الْحُسْنِ يُسْتَطَرِ
فَقُلْتُ لِرَبْعِ الْحُسْنِ هَلْ فِيكِ مُجِيبَةٌ
وَيَرْجِعُ صَوْتٌ مِنْ جَفَافِكِ مُنْكَسِرِ
هُنَاكَ مَشَتْ سَارَةُ فَالنُّورُ مُنْبَسِطٌ
كَفَجْرٍ بَدَا وَالْكَوْنُ فِي الْحُسْنِ مُسْتَعِرِ
وَمَا بَقِيَ إِلَّا الظِّلُّ مِنْ بَعْدِ مَشْيِهَا
وَلَا غَيْرَ دَمْعِ الْعَيْنِ يَرْوِي مِنَ الْأَثَرِ
تَجَرَّعْتُ صَبْرًا فِي الْهَوَى حِينَ غَادَرَتْنِي
وَحَظِّي مِنَ الدُّنْيَا جَفَاءٌ مِنَ الْوِتْرِ
أُخَالُ نَسِيمَ الْبَانِ يَسْرِي لِذِكْرِهَا
فَأَسْكُبُ دَمْعَ الْعَيْنِ شَوْقًا مَعَ الْعُذْرِ
وَأَرْمُقُ دَارًا قَدْ تَحَوَّلَ رَسْمُهَا
كَمَا اخْتَلَفَتْ بَعْدَ الْوِصَالِ إِلَى الْهَجْرِ
وَمَا زَالَ نُورُ الْحُبِّ فِيهَا مُشِعَّلًا
وَلَوْ غَطَّاهَا الرَّمْلُ وَاسْوَدَّ بِالتَّبْرِ
هُنَالِكَ كَانَتْ تَبْسُمُ الْأَرْضُ حِينَمَا
تَمُرُّ عَلَيْهَا فَانْشِرَحْ يَا فَتَى الصَّدْرِ
وَكُنْتُ إِذَا مَا جَاءَ رُوحُ خُطَاهَا
أُقَبِّلُ تِلْكَ الرِّيحَ وَالْقَلْبُ فِي حَذَرِ
وَأَعْلَمُ أَنِّي فِي غِيَابِكِ مُذْنِبٌ
وَأَنَّ جَمِيعَ الْحُسْنِ فِيكِ بِلَا غِيَرِ
وَأَنَّكِ سَارَةُ لَا يُمَاثِلُ حُسْنَكِ
مَلِيحٌ وَلَا قَدُّ السَّنَا بِضِيَاءِ فَجْرِ
وَأَنَّكِ أُمُّ مُحَمَّدٍ وَفَخْرُ دِيَارِنَا
وَأَنْتِ لِعَيْنِي بُرْءَةٌ دُونَ مُنْتَظَرِ
وَقَدْ قَالَ ذُو الْحُسْنَيْنِ فِي الصَّبْرِ مَشْرَبٌ
وَلَكِنَّهُ مُرٌّ كَشَرْبَةِ ذِي عِبَرِ
فَمَا الصَّبْرُ إِلَّا ظِلُّ نَخْلٍ بِمَهْمَهٍ
إِذَا مَا تَوَلَّى لَيْسَ يُجْدِي بِلَا وَزَرِ
سَأَلْتُ اللَّيَالِي هَلْ تُعِيدُ مُحِبَّةً
فَقَالَتْ تَرَى عَيْنَاكَ وَجْهَ التَّغَيُّرِ
فَقُلْتُ وَإِنْ غَابَتْ فَإِنِّي مُقِيمُهَا
بِقَلْبٍ جَعَلْتُ الْحُبَّ فِيهِ عَلَى صَبْرِ
أُرَاجِعُ دَرْبًا قَدْ سَلَكْنَاهُ مَعًا
فَيُوقِدُ فِيهِ الشَّوْقُ نَبْضًا مِنَ النَّحْرِ
وَأَعْلَمُ أَنَّ الْأَرْضَ تَخْضَرُّ إِنْ دَنَتْ
خُطَاكِ لَهَا كَالْغَيْثِ يَهْوِي عَلَى الْبَرِّ
وَأَنَّ ضِيَاءَ الشَّمْسِ يُغْشَى كَمَالَهُ
إِذَا ضَحِكَتْ سَارَةُ فَالْتَفَتَ بِالنَّظَرِ
وَأَنَّ الْمَلَا الْحُسْنُ بِوَجْهِ الْمَلَا نَشَا
كَنَبْتٍ رَقِيقٍ فَوْقَ أَجْفَانِهَا بِالدُّرَرِ
إِذَا ذَهَبَتْ سَارَةُ تَخَلَّفَ ضَوْؤُهَا
يُغَطِّي دُجَى اللَّيْلِ الْبَهِيمِ مِنَ الْغَرَرِ
وَإِنْ جَاءَتِ الرِّيحُ اسْتَبَنْتُ نَسِيمَهَا
كَأَنَّ بِهِ مَا فِي الْفُؤَادِ مِنَ الْفِكَرِ
وَإِنِّي لَأَسْعَى أَنْ أُعِيدَ مُنَازِلًا
لَهَا وَأُقِيمَ الرُّوحَ مِنْ بَعْدِ الْكَسَرِ
وَأَعْلَمُ أَنَّ الْحُبَّ دِينٌ مُقَدَّسٌ
يُقَامُ وَلَا يُطْوَى بِحُجَّةِ مُشْتَرِ
وَأَنَّ هَوَاهَا فِي دِمَائِي سَرِيرَةٌ
تَجْرِي بِشَرْيَانِ الْفُؤَادِ كَمَا كَالزَّهَرِ
فَمَهْمَا جَرَى دَهْرٌ وَأَعْوَجَ مُقْبِلٌ
فَهَا هِيَ فِي قَلْبِي جَمَالًا عَلَى وِتَرِ
تَغِيضُ لَنَا الْأَيَّامُ فِي كُلِّ دَوْرَةٍ
وَيَبْقَى هَوَاهَا فِي ضُلُوعِي عَلَى خَطَرِ
وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ خُطْوَةً
إِلَى دَارِنَا نَحْمِي هَوَاهَا مِنَ الضَّرَرِ
وَإِنْ غِبْتِ عَنِّي فَالْحَنِينُ مُقِيمُهُ
يُقَلِّبُ فِي أَعْمَاقِ قَلْبِي كُلَّ الْبِشْرِ
أُفَتِّشُ فِي أَرْجَاءِ رَبْعِكِ بَاسِمًا
فَيَجْمَعُنِي ظِلٌّ مِنَ الذِّكْرَى وَالْمَقَرِ
وَأَعْلَمُ أَنَّ الدَّهْرَ أَغْمَضَ عَيْنَهُ
عَلَى قَصْرٍ مَاضٍ وَأَحْلَامِهِ بِالدَّبَرِ
وَأَنَّ صَدَى خُطْوَاكِ لَا زَالَ سَائِرًا
يُحَرِّكُ فِي أَوْتَارِ رُوحِي كُلَّ مُضْمَرِ
وَلَوْ سَافَرَتْ سَارَةُ فَالْقَلْبُ بَعْدَهَا
يُرَاجِعُ أَيَّامًا بِمِسْكٍ مِنَ السَّمَرِ
وَلَوْ هَجَرَتْنِي فَالْهَوَى لَا يُغَادِرُ
وَيَبْقَى عَلَى جَمْرِ الْمُحِبِّ مِنَ الضَّمَرِ
وَلَوْ أَقْفَلَتْ أَبْوَابَهَا بَعْدَ بُعْدِهَا
تَبَقَّى بِقَلْبِي نَبْضُهَا خَفْقَ مُعْتَمَرِ
وَلَوْ ضَاعَ صَوْتُهَا بِفَجَوَاتِ دَرْبِنَا
لَسَمِعْتُهُ يَهْوِي كَرِيحٍ عَلَى الْقَدَرِ
سَأَلْتُ اللَّيَالِي هَلْ تُعِيدُ جَمِيلَةً
فَقَالَتْ هَوَاهَا مُقْفَلٌ بَابُهُ بِالشَّرَرِ
فَقُلْتُ وَمَا لِي غَيْرُ صَبْرِيَ مَرْكَبٌ
يُوَاجِهُ أَمْوَاجَ الْهَوَى فَوْقَ الْمَدَرِ
وَإِنِّي لَأَدْرِي أَنَّ حُبَّكِ غَايَةٌ
وَأَنْتِ بِأَيَّامِنَا بَدْرَةُ الْعَشَرِ
وَأَنَّكِ أَغْلَى مِنْ جَمِيعِ حَيَاتِنَا
وَأَجْمَلُ مِمَّا نُحْتَ مِنْ خَلْقِهِ قَبَرِ
وَأَنَّكِ إِنْ غِبْتِ اسْتَغَاثَتْ ضُلُوعُنَا
كَأَنَّ الَّذِي فِي الْقَلْبِ غُصْنٌ مِنَ الْوَبَرِ
وَأَنَّكِ يَا سَارَةُ يَا نَبْضَ رُوحِنَا
تُقِيمِينَ مَا فِي الصَّدْرِ مِنْ شُعَلِ الشَّجَرِ
وَمَا زِلْتِ فِي نُورِي وَإِنْ جَارَ دَهْرُنَا
كَأَنَّكِ بَيْنَ النَّبْضِ حُورٌ مِنَ الْعِبَرِ
وَمَا زِلْتِ فِي صَدْرِي وَإِنْ مَالَ صَفْحُهَا
حَدِيثًا عَلَى جَفْنِي يَدُورُ مِنَ الْعَصْرِ
وَمَا زِلْتِ فِي عَيْنِي وَإِنْ غَابَ لُطْفُهَا
ضِيَاءً يُغَذِّي عَتَمَاتِ مِنَ الشُّعَرِ
سَأَبْقَى أُنَادِيهَا إِذَا خَفَقَ الْهَوَى
وَيَسْمَعُنِي نَبْضٌ مِنَ الْحُبِّ وَالْبَشَرِ
سَأَبْقَى أَرُومُ الْوَصْلَ لَوْ جَفَّ دَرْبُنَا
فَمَا جَفَّتِ الذِّكْرَى وَلَا مَاتَتِ الصُّوَرِ
وَأَبْقَى أُقَلِّبُ صَفْحَةَ الْعُمْرِ بَعْدَهَا
فَأَرْقَى عَلَى جَمْرِ الْحَنِينِ بِمُنْتَحَرِ
وَأَبْقَى أُرَاجِعُ فِي الضُّلُوعِ تَحَدُّثًا
بِمَا قَالَهُ الشَّوْقُ الْكَثِيرُ مِنَ الْعُصُرِ
وَأَبْقَى أُنَادِيكِ يَا مَلَكًا مُقَدَّسًا
تُقِيمِينَ رُوحِي فِي رُجُوعٍ مِنَ الْغَمَرِ
وَأَبْقَى أُخَالِ الدَّهْرَ يَأْتِي بِضَوْئِكِ
فَيَنْشُرُ فِي صَدْرِي جَمَالًا مِنَ الْقَدَرِ
وَأَبْقَى أُرَتِّلُ سِرَّ حُبِّكِ نَافِذًا
إِلَى لُبِّ قَلْبِي كَالْمُهَنَّدِ مِنْ مَطَرِ
وَأَبْقَى وَمَا فِي الْبُعْدِ إِلَّا فَلَاحُهُ
يُقِيمُ عَلَى جَمْرِ الْهَوَى مَشْهَدًا يَشْرِي
وَأَبْقَى وَمَا فِي الصَّدْرِ إِلَّا سَكِينَةٌ
تَرُوحُ وَتَغْشَانِي كَعِطْرٍ مِنَ الشَّكَرِ
وَأَبْقَى أُسَامِرُ نُورَ طَيْفِكِ مُوقِدًا
شُعَاعًا بِقَلْبِي كَالْجَمَالِ مِنَ الدَّبَرِ
وَأَبْقَى أُحِبُّكِ لَا أُرِيدُ مُبَادِلًا
وَلَا قَامَ فِي دَرْبِي هَوًى غَيْرَكِ بِالْحَذَرِ
وَيَبْقَى هَوَاكِ فِي الضُّلُوعِ مُجَلِّلًا
مَعَالِمَ قَلْبٍ لَنْ يَزُولَ وَلَنْ يَخِرِ