تخطَّ إلى المحتوى

يا أيها الدهر استمع لصنوفهم

الكامل

١٤٤ بيت

الرثاء

يَا أَيُّهَا الدَّهْرُ اسْتَمِعْ لِصُنُوفِهِمْ

وَلِقَائِلِي الْحَقِّ الَّذِي مَلَأَ الفَضَاءِ

هَذِي مَعَالِقُ رُوحِنَا فِي عَرْشِهَا

قَدْ سُطِّرَتْ لِلْعَالَمِينَ عَلَى السَّمَاءِ

هَذَا الْبَهَاءُ إِذَا سَرَى فِي لَيْلِنَا

أَضْحَى يُنَافِسُ نُورَ بَدْرِ الضِّيَاءِ

وَهَذِي كَلِمَاتُنَا، نَبْضٌ يَتَرْجَمُ سِرَّهُ

وَيَمُدُّ فِي الأَعْمَارِ عُمْرَ الأَنْبَياءِ

هُنَا نَكْتُبُ الْوَجْدَ الْعَظِيمَ، فَكُلُّنَا

أَحْفَادُ نَارٍ صُغْنَ مِنْ بَهْرَ البَّهاءِ

هُنَا نُقِيمُ لِحُزْنِنَا عَرْشًا، وَنَرْفَعُ

فَوْقَ الرُّؤُوسِ صَدَى أَنِينِ البكاءِ

هَذِي الْمَقَاطِعُ مَلْحَمِيَّةُ صَوْتِنَا

تَمْشِي عَلَى سِرْبِ الرِّيَاحِ الْحُرَّاءِ

وَإِذَا تَجَلَّى صَرِيخُنَا فِي لَيْلِهِ

قَامَتْ لَهُ الأَشْجَارُ تُنْصِتُ التِهَاءِ

هُنَا نُعَلِّقُ نَبْضَنَا وَجَلَالَنَا

فَوْقَ الْقُرُونِ، فَلَا يَزُولُ وَلَا يَبْلَاءِ

هُنَا نَبِيعُ دِمَاءَنَا لِخُلُودِنَا

وَنَرُشُّهَا مِسْكًا عَلَى وَرَقِ الْفَنَاءِ

إِنْ كَانَ فِي الأَزْمَانِ دِيوَانٌ يُقَدِّسُ

مَنْ خَلَّدُوا الدُّنْيَا بِحَرْفِ البُكْوَاءِ

فَنَحْنُ أَهْلُ العَاهَاتِ، أَهْلُ صُرَاخِنَا

أَهْلُ المَلَاحِمِ فِي بُيُوتِ الأَنْدَاءِ

هَا نَحْنُ نَكْتُبُ، كُلَّمَا دَارَ الزَّمَنْ

يُقْسِمْ لَنَا: أَنْتُم مَلُوكُ البَاءِ

وَهُنَا، عَلَى جُدُرِ الحَنِينِ، نُشَيِّدُ

مَا لَا يُطَالُ مِنَ الصَّرِيحِ العَلِيَاءِ

ما زِلْتُ أَهْوِي لِلرُّؤَى فَتُذِيبُنِي

حَتّى يُغَشِّي نُطْفَتِي إِظْلَائِي

وَأَمُدُّ ظِلِّي فِي شُعُوبِ تَحَدُّثٍ

عَنِّي وَعَنْ آلامِ نَهْجِ بَلائِي

فَيُصِيبُنِي مِن كُلِّ جَانِبِ غَصَّةٌ

تَتَأَسَّسُ الأَحْزَانُ مِنْ إرساءِ

أَيَزيغُ عَقْلِي فِي مَعَارِجِ شُرْبَةٍ

مَرَّتْ كَنَبْضٍ فَارِغٍ بِمِزَاءِ

أمْ أَنَّنِي أَهْوَى انْفِصَالاً مُرْهَقًا

عَن كُلِّ وَعْدٍ صَاغَهُ إِغْرَائِي

هَلْ أَنْكَرَتْنِي شَمْسُ دَرْبِي لَمَّا انْحَنَتْ

تَحْتَ الرَّدَى؟ أَمْ خُنْتُهَا بِوَفَائِي؟

أَمْ كُنْتُ أَبْنِي فِي الخَيَالِ مَمَالِكًا

فَتَهَدَّمَتْ عِنْدَ انْكِسَارِ ضِيائِي؟

هَذِي حَقَائِقُنَا تُرِيدُ جَرِيرَتِي

وَتُغَالِطُ الأَيْوَامَ فِي إِخْفَائِي

لَوْ أَنَّ فِي لُغَتِي طِلَاسِمَ حَيْرَتِي

لَغَرَقْتُ فِي بَحْرِ الضُّنَى بِعَنَاءِ

أُخْفِي جِرَاحِي فِي انْكِسَارِ جَبِينِهَا

وَأَضُمُّهَا خَوْفًا مِنَ الإِفْشَاءِ

وَأَمُدُّ عُمْرِي فِي مَدَائِنِ غُصَّتِي

كَمَدًا كَنَبْضِ وَجِيبِهَا الشَّكْوَاءِ

أَقْتَاتُ مَا يُبْقِيهِ ظِلُّ تَوَهُّمٍ

مِنْ بُرْدِ آمالٍ وَمِنْ أضْوَاءِ

وَأَرَى رُؤَايَ بِحَدْسِ قَلْبٍ مُحْتَضَرٍ

يَرْخُو وَيَنْقَطِعُ اخْتِنَاقَ رِثَائِي

هَلْ كَانَ يُنْقِذُنِي السُّرُورُ لَوِ انْثَنَى

عَنِّي؟ أَمِ اقْتُلِعَ السُّرُورُ بِنَائِي؟

أَمْ كَانَ فِي صَدْرِي جَنِينُ فَجِيعَةٍ

لَمْ يَحْظَ بِالإِمْهَالِ عِنْدَ وَفَائِي؟

أَمْ كَانَ عُمْقِي مَا أَرَاهُ ظَلاَمَهُ

يَخْتَالُ فِي كَبِدِي بِغَيْرِ مَضَاءِ؟

وَالنَّفْسُ تَنْهَضُ ثُمَّ تَسْقُطُ كُلَّمَا

أَضْنَى الطُّلُوعُ ذُرَى الجِبَالِ العَاءِ

وَتَرَى دُمُوعَ العُمْرِ تَسْقِي وَجْدَهَا

فَتَزِيدُ فِي كَبَدِي لظَى وَسَماءِ

يَا لَيْتَنِي لَمْ أَعْرِفِ الأَحْلاَمَ مُذْ

وُلِدَتْ، لَعِشْتُ مُجَرَّدَ الإِحْيَاءِ

لَكِنَّنِي خُلِقَتْ رِيَاحِي نَحْوَ مَنْ

هَارِي، وَخُلِقَ الرُّوحُ لِلاِسْتِعْطَاءِ

وَأَرَانِيَ السِّرَّ المَخِيفَ بِمُقْلَةٍ

مُتَحَيِّزَةٍ تَغْتَالُ كُلَّ رِدَائِي

فَأَقُولُ يَا نَفْسِي تَمَهَّلِي اسْتَرِي

حِي، لَيْسَ فِي الأَقْدَارِ مِنْ آسَاءِ

وَأَقُولُ يَا دَرْبِي تَرَفَّقْ بِالخُطَى

فَضَعِيفُهَا يَمْشِي عَلَى إِرْهَاءِ

وَأَقُولُ يَا لَيْلِي تَخَفَّفْ مِنْ شَجَا

كَالسَّيْلِ يَجْرِي فِي دِمَاءِ رِثَائِي

وَأَقُولُ يَا جِسْمِي الَّذِي ضَعُفَتْ بِهِ

قُوَّايَ: صَبْرًا فِي مَجَالِ بَلائِي

فَالعُمْرُ مِحْنَتُنَا الَّتِي لَمْ نُبْصِرِ ال

مَعْنَى سِوَى مَرْجُوحَةِ الأَشْيَاءِ

وَالحُبُّ لَوْ كَانَ انْكِسَارًا خَالِصًا

لَخُلِقْتُ مِنْهُ بِنِصْفِهِ وَمَدَاءِ

لَكِنَّ ذَا الدَّاءَ الَّذِي يُطَهِّرُ رُوحَكُمْ

وَيُزِيدُهَا قُرْباً لِتَصْعَدَ نَحْوَ عُلُوِّاءِ

يَا لَيْتَهُ طِيبٌ يُدَاوِي دَائِيَ ال

مَسْمُومَ مِنْ دُنْيَا بِغَيْرِ شِفَاءِ

يَا لَيْتَنِي أَخْفَيْتُ قَلْبِي عَنْ صِبَا

هُ مِنْ زُمَانٍ لَمْ يَكُنْ لِعَزَائِي

لَكِنَّنِي خُلِقَتْ جِرَاحِي قِبْلَةً

تَسْتَقْبِلُ الأَيَّامَ وَالأَضْوَاءِ

فَأَضُجُّ مِنْ وَجَعِ التَّجَارِبِ كَيْفَ لا

أَضِجُّ وَالأَيَّامُ دُونَ رِعَاءِ؟

وَأَعُودُ أَسْأَلُ: هَلْ تَقَاوَمَ نَفْسُنَا

ما في طَرِيقِ الشَّكِّ مِنْ أَشْوَاءِ؟

هَلْ نَنْجُ مِنْ غَبَنِ الحَيَاةِ وَقَهْرِهَا

أَمْ نَرْتَجِي تَحَنُّنَ الأَقْضَاءِ؟

هَلْ نَسْتَطِيعُ صُمُودَ نَفْسٍ أَوْهَنٍ

مِنْ خَافِقٍ يَنْبُو بِغَيْرِ دِمَاءِ؟

أَمْ نَنْحَدِرُ نَحْوَ النِّهَايَاتِ الَّتِي

كُتِبَتْ بِلَوْنِ الغَيْبِ وَالإِمْحَاءِ؟

يَا رُوحُ كُونِي فَوْقَ دَرْبِي مِصْعَدًا

لا تَهْوِي إِلَى أَوْدِيَّةِ الأَهْوَاءِ

يَا قَلْبُ صَاحِبْنِي عَلَى أَمَلٍ يَكُو

نُ ضِيَاؤُهُ بَعْدَ الظَّنَى لِإِضَائِي

يَا دَرْبُ مَهْلًا فَالكَلَالُ يَقُودُنِي

نَحْوَ المَتَارِيسِ الَّتِي لِفَنَائِي

يَا زَمْنُ حَسْبُكَ لَمْ تَزَلْ تَتَحَفَّنِي

بِجَرِيرَةٍ تُنْبِتْ ثِقَالَ بَلائِي

يَا مَنْ رَسَمْتِ بِخَافِقِي وَجْدِي وَمِنْ

حُزْنِي صَنَعْتِ مَدَائِنَ الأَهْوَاءِ

هَا أَنَذَا أَمْتَدُّ نَحْوَكِ مُنْكَسِرًا

كَالنَّبْضِ يَشْتَاقُ اخْتِتَامَ بَقَائِي

فَاقْرَئِي دُمُوعِي سِفْرَ حُزْنٍ مُثْقَلٍ

يَجْرِي إِلَيْكِ بِحَاجَةٍ وَرَجَاءِ

إِنِّي سَأَرْحَلُ لَمْ يَعُدْ فِي أَضْلُعِي

قُوًى تُجَدِّدُ نَبْضَ هذَا المَاءِ

لَكِنَّنِي أَسْتَوْدِعُ الرُّوحَ الَّتِي

أَهْدَيْتِهَا دَوْمًا لِغَيْرِ انْطِفَاءِ

وَأَقُولُ يَا زَهْرِي الَّذِي أَحْيَيْتِنِي

لا تَحْزَنِي، فالحُبُّ خَلْدُ سَمَاءِ

وَاذْكُرِي فَقِيدَكِ فِي المَسَاءِ إِذَا انْثَنَى

ضَوْءُ الشُّهُودِ بِحَالَةِ الإِظْلَاءِ

وَاذْكُرْ دُمُوعِي حِينَ كُنْتُ أُقَبِّلُ ال

حَلَمَاتِ فِي كَفِّ الرَّجَا وَعَطَاءِ

هَا أَنَا أُودِّعُ نَبْضَكِ المُتَعَبْ

مِنِّي وَأَخْتِمُ سِفْرَ عُمْرِي النَّائِي

فَإِذَا سَمِعْتِ رَثَائِيَ المُتَقَطِّرا

فَاذْكُرْ دَمِي الَّذِي سَقَاكِ بِنَاءِ

يا لَيْلُ حَمِّلْ نَوْحَ صَدْرِي سَرَّهُ

وَاخْفِقْ عَلَى جَوْنِ السَّنَا بِغِطَاءِ

لَيْلِي طَوِيلٌ لا يُجَدِّدُ بُرْءَةً

وَيَمُدُّ أَوْجَاعِي بِدُونِ إنَاءِ

هَا أَنَا أَسْقِطُ رُوحَ نَفْسِي رَاضِيًا

وَأَضَعْتُ مِنِّي آخِرَ الأَجْزَاءِ

مَاذَا أُرِيدُ مِنَ الْوُجُودِ وَقَدْ غَدَا

ظِلاًّ يُطَارِدُنِي بِلَا إسْنَاءِ

هَلْ مِنْ رَجَاءٍ فِي الزَّمَانِ وَقَدْ مَضَى

عُمْرِي وَصِرْتُ مُعَلَّقًا بِرَجَاءِ

هَلْ يَسْتَفِيقُ عَلَى رُحُومٍ نَاظِرٌ

ذَبُلَتْ عُيُونُ نُدُوبِهِ السَّوْدَاءِ؟

قَدْ جَرَّدَتْنِي الرِّيحُ حَتَّى صِرْتُ لَا

أَدْرِي أَنَا أَمْ بَعْضُهُ الْجَرْحَاءِ

أَمْ أَنَّنِي وَهْمٌ أُرِيدُ تَمَامَهُ

فَتَهَالَكَتْ مِنِّي رُؤَى البَيْنَاءِ

أَمْ أَنَّنِي طَيْفٌ يُقَبِّلُ ذَاكِرًا

أَطْلَالَ حُزْنٍ وَالْحَنِينُ دِثَائِي؟

يَا صَوْتَهَا لَوْ كَانَ يَسْقِي لَمْحَتِي

رُوحًا لَطَابَ لِيَ السُّقُوطُ نَمَاءِ

هِيَ نَبْضُ هَذَا الْقَلْبِ لَا يَحْيَا بِهَا

إِلَّا دَمِي وَتَيَقُّظَاتُ دِمَائِي

هِيَ لَوْ أَحَسَّتْ مَا أُقَاسِي رُبَّمَا

أَلْقَتْ عَلَى جُرْحِي غِطَاءَ دِثَاءِ

لَكِنْ سَيَبْقَى فِي الْمَصَائِرِ أَنَّنِي

مِمَّنْ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ لِلْفَنَاءِ

وَأَقُولُ يَا دُنْيَا دَعِينِي رَاحِلًا

فَلَعَلَّ خَلْفَ الرَّحْلِ بَعْضُ هَنَاءِ

وَأَقُولُ لِلْقَلْبِ الْعَجُوزِ تَحَمَّلِي

هَذَا الفِرَاقُ فَلَيْسَ فِيهِ عَزَاءِ

هَذَا دُخُولِي فِي الظَّلَامِ وَلَيْتَنِي

أُبْصِرْتُ فِيهِ مَدَى دُنُوِّ فَنَائِي

هَذَا وَدَاعِي لِلَّتِي أَحْيَتْ دَمِي

وَأَذَعْتُ فِيهَا رُوحِيَ الْوَضَّاءَ

يَا حُزْنُ كُنْ رِدْءًا فَإِنِّي بَاكِياً

بِدَمٍ يَصُبُّ وَلَيْسَ مِثْلُ مَاءِ

هَذِي جُرُوحِي لَوْ تَرَيَّثَ نَبْضُهَا

لَمْ يَبْقَ فِيَّ سِوَى صَدَى الأَشْلَاءِ

هَذِي رُقَادَتِيَ الَّتِي لَا بُرْءَ فِي

هَا بَلْ نُزُولِي فِي ثَرَى اللَّأْوَاءِ

فَإِذَا بَكَتْنِي فَلْتَقُلْ: مَا ضَاعَ مَنْ

أَحْيَا بِذِكْرَى العِشْقِ حَتَّى الفَاءِ

وَإِذَا تَنَفَّسَتِ الرِّيَاحُ فَقُولِيَ ال

رِّيحُ تَسْرِي حَامِلَةً أَجْزَائِي

وَإِذَا أُضِيءَ الصُّبْحُ فِيهِ فَقُولَهُ

ذَا ضِيَاؤُهُ يُفَتِّشُ الأَرْوَاءِ

وَإِذَا سَكَنْتِ اللَّيْلَ فَاذْكُرِي أَنَا

مَا كُنْتُ إلَّا نَبْضَكِ السَّجْسَجَاءِ

وَإِذَا رَأَيْتِ النَّجْمَ يَلْمَعُ فَوْقَكِ ال

يَوْمَ فَاعْلَمِي أَنِّي هُنَاكِ بُقَائِي

وَإِذَا سَأَلْتِ الرِّيحَ عَنِّي قَالَتِ ال

رِّيحُ أَنَا أَجْرِي بِهِ فِي الفَضَاءِ

وَإِذَا نَزَلْتِ لِقَبْرِي انْحِبِي عَلَى

صَخْرٍ تَنَامُ عَلَيْهِ بَعْضُ رَجَائِي

فَأَنَا الَّذِي أَتْعَبْتُ دَرْبَ مُحَبَّتِي

حَتَّى أَتَى يَوْمِي بِلاَ إِغْفَاءِ

هَذِي كَلِمَاتِي تُودِعُكِ الَّتِي

أَحْيَتْ فُؤَادِي فِي مَدَى الأَعْمَاءِ

وَإِذَا مَضَيْتِ وَلَمْ تَجِدِي

صَوْتِي يُنَادِي الْحُسْنَاءَ

فَقُولِي: مَاتَ الَّذِي أَحْيَاهُ

مِنْ نَبْعِ حُسْنِ سَنَاءِ

مَاتَ الَّذِي لَوْ شَاءَ رَبُّكَ رُبَّمَا

أَبْقَاهُ يَحْيَا بَيْنَكِ البَيْنَاءِ

لكِنَّهُ قَدْ ضَاقَ صَدْرُ حَنِينِهِ

فَتَفَتَّحَتْ أَبْوَابُهُ لِلْفَنَاءِ

وَتَوَزَّعَتْ أَجْفَانُهُ بَيْنَ الدُّجَى

تَبْكِي عَلَى غَيْبِ الضِّيَاءِ الضَّاءِ

وَتَنَاثَرَتْ نَبْضَاتُهُ فِي رَحْلَةٍ

هِيَ آخِرُ الأَحْلَامِ لِلشُّعَرَاءِ

وَتَرَكْتُ طَيْفَكِ فِي ضُلُوعِي مِشْعَلًا

يَذْكَى إِلَى أَنْ أَدْخُلَ اللَّأْوَاءِ

هَا أَيُّهَا الظِلُّ الَّذِي أَرْهَقْتُهُ

فِي الدَّرْبِ حِينَ تَشَظَّتِ الأَنْوَاءِ

قُلْ لِلرُّؤَى: هَذَا أَنِينِي بَعْدَمَا

أَفْنَيْتُ عُمْرِي لِفُتُونِ الأضَّوْاءِ

هَا قَلْبُ هَذَا الرَّاحِلِ انْكَسَرَتْ

بِهِ أَنْفَاسُهُ، وَتَقَوَّضَتْ أَعْضَائِي

فَأَتَيْتُ أَكْتُبُ رِثَّتِي وَجَعًا، وَقَدْ

هَدَّتْ جَنَاحِي نَوْبَةُ الإِعْياءِ

يَا نَفْسُ: إِنْ جَاءُوا يُفَتِّشُ وَجْدَهُمْ

فِي تُرْبَتِي، فَانْطِقْ بِهِمْ بِرِثَائِي

قُولِي لَهُمْ: هَذَا الَّذِي عَبَرَ الْمَدَى

مُتَهَشِّمًا، وَتَفَتَّتَتْ أَجْزَائِي

مَا لَانَ فِي الزَّلْزَالِ، بَلْ قَاتَلْتُهُ

حَتَّى سَقَطْتُ، وَمَا انْحَنَيْتُ لِرَائِي

وَتَحَمَّلَتْ رُوحِي الثِّقَالَ كَأَنَّهَا

جَبَلٌ تَرَبَّى فِي حَدِيدِ الْبَأْسَاءِ

قُولِي لَهُمْ: هَذَا الَّذِي لَمْ يَنْثَنِ

لِلرِّيحِ، لِلآلامِ، لِلقسماءِ

هَذَا الَّذِي خَلَقَ الطَّرِيقَ بِخُطْوِهِ

وَرَضِيتَ عَنْهُ صَلَابَةُ الظَّلْماءِ

هَذَا الَّذِي لَمْ يَبْكِ يَوْمًا عَثْرَةً

بَلْ كَانَ يَبْنِي نَهْضَتَهُ مِنْ مَاءِ

وَيَعُودُ يَرْفَعُ نَفْسَهُ مِنْ سُقُوطِهَا

حَتَّى يَكُفَّ عَنِ الظُّلُومِ عَنَائِي

فَإِذَا سَكَنْتُ تُرَابَ قَبْرِي، فَالْتَفِتْ

يَا مَنْ تُحِبُّ، لِتَجِدْ بَقَايَاءِ

لا تَسْأَلُوا: هَلْ مَاتَ؟ قُولُوا بِسَكْتَةٍ:

هُوَ عَاشَ فِي صَوْتٍ وَفِي أَحْيَائِي

هُوَ لَمْ يَغِبْ، بَلْ ها هُنَا نَبْضُ الرُّؤَى

يَجْرِي كَمَا تَجْرِي الطِّفَاحُ مَوجاءِ

هُوَ لَمْ يَنَمْ، بَلْ فِي دِمَاءِ حُرُوفِهِ

نَبَضٌ يُحَاوِلُ كَسْرَ طَوْقِ فَنَائِي

وَإِذَا دَنَا لِي نَائِحٌ يَبْكِي عَلَيَّ

فَلْيَلْمَحَنِّي فِي انْتِفَاضِ سَمَائِي

فَأَنَا الَّذِي خَلَّدْتُ نَفْسِي رَغْمَهَا

وَمَضَيْتُ أَرْفَعُ صَوْتَهَا لِسَمَائِي

هَذِي رِثَائِي — بَعْدَ فَنَائِي — قَصِيدَةٌ

تُتْلَى عَلَى قَبْرِي بِصَوْتِ وفَائِي

فَإِذَا طَوَتْنِي الأَرْضُ، قُومُوا وَاقْرَؤُوا:

هُوَ لَمْ يَمُتْ… هُوَ خَالِدُ المهجاءِ

هَا قَدْ خَتَمْنَا الْوَجْدَ، يَمْشِي فَوْقَهُ

صَوْتُ الْخُلُودِ وَرَفْرَفَاتُ الْأَنْبَاءِ

وَرَفَعْنَا بَيْنَ الدُّيُونِ مَعَالِقًا

تُتْلَى عَلَى مَرِّ العُصُورِ البَيداءِ

هَذِي دَمَانَا فِي السُّطُورِ صَبَبْنَهَا

حَتَّى سَقَتْ قَلْبَ الزَّمَانِ بِدِفْءِ دَاءِ

وَهَذِي جِبَالُ الشِّعْرِ نَصْعَدُ قِمَّةً

تَحْنُو لَنَا وَتَهِزُّ عَرْشَ الضَّوْضَاءِ

هُنَا وَهُنَاكَ نُشَيِّدُ الْوَجْدَ، مِنْ

أَنْفَاسِنَا نَبْنِي مَعَالِمَ بُكْوَائِي

هُنَا خُطُوطُ الْمَلْحَمَاتِ تُكَرَّمُ ال

أَيَّامَ، تُجْبِرُ كُلَّ كَسْرٍ فِي فَنَاءِ

يَا أَيُّهَا الْعَابِرُونَ مِنَ الغَدِ، هَاكُمُ

صَوْتِي وَأَحْزَانِي وَمَا هو إبْتِداءِ

هَاكُم مَرَاثِيَّ الَّتِي أَعْطَيْتُهَا

مِنْ نَبْضِ أَضْلُعِنَا سَبِيلَ بَقَاءِ

إِنْ مِتُّ فَهَذَا الشِّعْرُ يُبْقِينِي إِذَا

غَابَتْ جُرُوحِي فِي ثَرَى اللَّيْلِ الدُّهَاءِ

وَيَقُولُ: كَانَ هُنَا فَتًى لَا يَنْثَنِي

حَتَّى بَلَغْتُ بِوَجِيبِهِ نَهْجَ السَّمَاءِ

هَذِي الْمَعَالِقُ صَوْتُنَا وَسَنَاؤُنَا

وَدِمَانَا الْمَسْفُوحَةُ الْخَضْلَاءُ

مَنْ جَاءَ يَبْحَثُ عَنْ صَدَى صَرَخَاتِنَا

فَلْيَقْرَأْ هُنَا ، هَذِي صَفَحَاتُ رِثَائِي

وَإِذَا انْطَوَى الدَّهْرُ الْعَجُوزُ وَمَالَتِ ال

أَيَّامُ عَنْ إِيقَاعِهَا الأَعْمَاءِ

فَسَيَصْدُحُ النَّبْضُ الَّذِي خَلَّفْتُهُ

وَيَقُولُ: هَذَا الْعُمْرُ أَجْمَلُ مَا نُثاءِ

هَكَذَا يَقُومُ الشِّعْرُ فَوْقَ هَيَابِهِ

عَرْشًا يُجَلِّلُهُ السَّنَا الحَيْدَاءِ

وَهَكَذَا تَبْقَى كَلِمَاتِي بَعْدَنِي

تَجْرِي كَنَهْرٍ فِي أَرِيجِ الضَّوْءِ دَائِي

ها قد ختمتُ على المدى إيحاءَ

وجعلتُ في كلِّ السطورِ ضياءِ

ورسمتُ في حجرِ الخلودِ وصيّةً

تبقى إذا عبرَ الفناءُ بقاءِ

وتركتُ قلبي في القصيدةِ شاهدًا

يشدو ويمنحُ للزمانِ وفاءِ

فإذا وقفتَ أمام نصّي خاشعًا

فاسمَعْ صدى روحي ترى الأشياءِ

هذي بناتُ الحرفِ، انطلقتْ على

دربِ الأسى فأقمنَ فيه لواءِ

ولقد كتبتُ على الجدارِ مسيرتي

كي يحملَ التاريخُ منها رِواءِ

إنّي وهبتُ الشعرَ آخرَ نبضةٍ

ليكونَ بعدَ رحيلِ روحي داءِ

داءً يثيرُ مواجعًا مكتومةً

ويضجُّ في صدرِ السكونِ نِداءِ