وَقَفْتُ بِبابِ اللَّيْلِ أَرْجُو سَناكَ، هَلْ
يُضِيءُ سَنَاكَ الكَوْنَ لِلْعَاشِقِ الوَصِبُ؟
وَعَادَتْ لِيَ الذِّكْرَى تُهَاتِفُ نَبْضَتِي
فَيَرْتَجِفُ القَلْبُ الهَشِيمُ وَيُسْلَبُ
وَلَمْ أَرَ إِلَّا وَجْهَكَ البَدْرَ مُشْرِقًا
يُقِيمُ عُرُوسَ النُّورِ فِي خَافِقٍ يَثِبُ
وَقَدْ جِئْتُ مِنْ بَيْنِ الرِّيَاحِ مُهَذَّبًا
أُقَبِّلُ مِنْ ذِكْرَاكَ مَا لَا يُغَيَّبُ
هَوَاكَ نَبِيذُ الرُّوحِ، ما زِلْتُ أَشْرَبُهُ
فَيَغْمُرُ قلبي نورُهُ حينَ يُسْكَبُ
أُحِبُّكَ حُبًّا لو يُقاسُ بِوَرْدَةٍ
لَما أبْقَتِ الأيّامُ في خَدِّها عَطَبُ
وَإِنْ غِبْتَ، يَسْري الشَّوقُ في أَضلُعي
كَأَنَّ جَمارَ العِشقِ في الدَّمِ تُلْهَبُ
هُيامي بِعَيْنيْكَ استَبَدَّ بِمُهجَتي
فَمَن يُنكِرُ العُشّاقُ نارًا تُجَرَّبُ؟
وَلَو جُمِعَتْ كُلُّ القلوبِ، لَما انْتَهَى
غرامي، ولا خَفَّ الضِّياءُ المُذَهَّبُ
هَوَاكَ سَبيلُ الرُّوحِ، ما زِلْتُ أتَّبِعُهُ
فَيَسْكُنُ فِي صَدري نَدَاهُ وَيَعْذُبُ
وَما زَالَ يَهْوَى القَلْبُ طيفَكَ كُلَّما
نَدَتْ لِيَ في لَيْلِ الهَوى نُجُمٌ تَؤُبُ
وَلَو رَفَعَ العُشَّاقُ صَوْتَ صَبابَةٍ
لَما بَلَغُوا شَوْقي وَلا المَدُّ يَقْرُبُ
أُحِبُّكَ حُبًّا لا تُقاسُ مَسَالِكُهُ
فَقَلْبِي بِذِكْرَاكَ السَّماءُ تُطَيَّبُ
وَإِنْ غِبْتَ يَبْقَى الشَّوْقُ فِي القَلْبِ يَسْرِيَا
كَنَفْحَةِ وَرْدٍ فِي الضُّلوعِ تُهَرَّبُ
وَيَا مَنْ لَهُ فِي كُلِّ دَرْبٍ بَصِيرَةٌ
تُبَارِكُهَا الأَيَّامُ إنْ بَانَ مَطْلَبُ
لَئِنْ سَأَلُوا عَنِّي هَوَاكَ، فَإِنَّنِي
أُجِيبُهُمُ: ذَاكَ الَّذِي لا يُؤَنَّبُ
فَلَو جُمِعَتْ كُلُّ القلوبِ لَمَا وَفَتْ
بِحُبٍّ لَكَ، يَا مَنْ بِهِ الرُّوحُ تُجْذَبُ
تَفَتَّحَ فِي صدري هَوَاكَ كأنَّهُ
نَسِيمٌ عَلَى خَدِّ الدُّجَى حِينَ يَغْرُبُ
وَمَا زَالَ حُبِّي فِيكَ يَسْطَعُ نُورُهُ
كَمَا يَسْطُعُ الفَجْرُ المُنِيرُ المُحَبَّبُ
وَلَو نَطَقَتْ صَخْرُ الجِبَالِ بِشَوقِهَا
لَقَالَتْ هَوَاكَ الفَوْزُ، والبَاقُ خُشُبُ
وَمَا جَدْوَى القَلْبِ الَّذِي لَمْ يَجِدْ لَهُ
سَبِيلًا إِلَى عَيْنَيْكَ؟! تَاهَ وَيُغْلَبُ
هَوَاكِ هُوَ التَّاجُ الَّذِي زَانَ مَفْرِقِي
وَإِنِّي لِمُلْكِ الحُبِّ فِيكَ لَأُنْسَبُ
طَرَقْتُ لِأَجْلِ الوَصْلِ أَبْوَابَ مُلْهِمِي
فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَجْهَكَ البَدْرَ يُرْقَبُ
وَإِنْ سُقْتُ أَحْزَانِي لِبَابِكَ خَاشِعًا
تَبَدَّدَ كُلُّ الهَمِّ وَالصَّعْبُ يُشْجَبُ
وَإِنْ قُلْتُ إنِّي فيكَ أَذْوُبُ، فَإِنَّهُ
ذَوَبَانُ رُوحٍ لَيْسَ تَدْرِيهِ كُتُبُ
وَإِنْ قِيلَ: مَا سِرُّ الهَوَى؟ قُلْتُ: نَفْحَةٌ
تُبَرِّدُ نَارَ العَاشِقِينَ إِذَا صَبُوا
هَوَاكَ صَلَاحُ القَلْبِ، بَلْ أَنْتَ قِبْلَتِي
وَفِي قِبْلَتِي تَهْوَى الجَنَاحِينَ أَسْرُبُ
وَأَنْتَ لِدَرْبِي نُورُهُ، وَبِظِلِّكَ
تَمُرُّ عَلَى أَيَّامِ عُمْرِي فَتُخْصِبُ
فَيَا مَنْ لَهُ فِي كُلِّ نَبْضٍ إِقَامَةٌ
إِذَا لَمْ يَكُنْ قَلْبِي لَهُ، فَلِمَنْ يَصْبُو؟
وَمَا العُمْرُ إِلَّا لَحْظَةٌ، لَوْ تَقَاسَمَتْ
هَوَاكَ لَمَاتَ الحُزْنُ، وَانْمَاحَ مَا كَبُو
وَلَو أَنَّ فِيكَ الوَصْفَ أَبْدَعتُ نُسْخَةً
لَمَا أَدْرَكَ العُشَّاقُ مَا هُوَ يُكْتَبُ
وَإِنِّي لَفِي حُبِّكَ ابتِداءٌ وَغَايَةٌ
فَلَا يَبْلُغُ الإنهاءَ شَوْقٌ مُهَذَّبُ
إِلَيْكَ هَوِيٌّ لَوْ بَذَرْتُ نَبَاتَهُ
لَظَلَّتْ رِيَاضُ العِطْرِ لِلنَّاسِ تُعْشِبُ
تَعَالَى جَمَالُ العَيْنِ فِيكَ، فَإِنَّهُ
يُقِيمُ لِقَلْبِي عُرْسَ وَصْلٍ وَيَطْرَبُ
رَعَى اللهُ وَجْهًا كَالصَّبَاحِ نَقَاؤُهُ
وَعَيْنًا بِهَا لُبُّ الفُؤَادِ يُذَوَّبُ
مَلِيحَةُ هَذَا الكَوْنِ، كُلُّ جَمِيلَةٍ
إِذَا مَا بَدَتْ لِلنَّاسِ عَنْكِ تُحَجَّبُ
مَدِيحِي لَهَا طِيبٌ يُضَوِّعُ ذِكْرُهُ
وَإِنَّ مَقَامِي فِي هَوَاهَا لأَنْجَبُ
أَرَى فِيكِ أَخْلَاقَ الكِرَامِ تَجَمَّعَتْ
وَمِنْكِ نَمِيرُ الطُّهْرِ حِينَ يُطَلَّبُ
مَلَكْتِ زِمَامَ الحُسْنِ خَلْقًا وَرِفْعَةً
فَأَنْتِ الَّتِي فِي مَدْحِهَا لَا أُكْذَبُ
وَلَوْ نَظَمَتْ فِيكِ البَلاغَةُ عِقْدَهَا
لَقَالُوا: هِيَ الشَّمْسُ المُنِيرةُ تُرْهَبُ
عَظِيمَةُ شَأْنٍ فِي الوفَاءِ وَصِدْقِهِ
وَأَنْتِ لآمالِ الحَيَاةِ المُهَذَّبُ
فَلَوْ سُئِلَتْ عَنْكِ الغَمَامُ لَأَمْطَرَتْ
ثَنَاءً عَلَى نُورٍ بِهِ العُمْرُ يَعْذُبُ
سَأَنْقُشُ فَوْقَ الرِّيحِ مَدْحَكِ كُلَّمَا
هَفَتْ نَسَمَاتٌ أَوْ سَرَى لِيَ مَوْكِبُ
جَمَعْتِ بَهَاءَ البَدْرِ وَالرُّوحَ شِيْمَةً
فَطَابَ لِيَ المَسْعَى وَطَابَ المَشْرَبُ
إذا مِتُّ يومًا، فِي هَواكَ مَسِيرَتِي
وَيبْقَى غَرَامِي بَعْدَ رَحْلِي يُؤَرَّبُ
فَأَنْتَ لِقَلْبِي مَوْطِنٌ، وَبِذِكْرِكَ
تُعَمَّدُ أَحْلامُ الحَيَاةِ وَتُرْغَبُ
وَمَا دُمْتَ لِي في الدَّرْبِ نُورًا، فَإِنَّني
سَأَمْضِي وَلَا يَدْنُو لِرُوحِي المُغَيَّبُ
هَوَاكَ خِتامِي وَابْتِدَائِي، وَبَيْنَنَا
تُسَافِرُ أَشْلاَءُ الحَنِينِ وَتُحْجَبُ
فَلَو جُمِعَتْ كُلُّ العُيُونِ، لَمَا رَأَتْ
كَجَمْرَةِ عَيْنَيْكَ الجَمِيلَتَيْنِ أَعْجَبُ
وَلَو جُمِعَ العُشَّاقُ فِي دَرْبِ مِلْحَمَةٍ
لَقَالُوا: هَوَاهُ التَّاجُ، وَالقَلْبُ يَرْغَبُ
وَأَنْتَ الَّذِي فِيهِ الحَنِينُ مُقَامُهُ
وَمِنْكَ يُعَلِّمُ نَبْضِي الحُبَّ فَيُعْرِبُ
سَلِ القَلْبَ: هَلْ يَنْسَى هَوَى مَنْ يُحِبُّهُ؟
فَيَبْكِي وَيَبْسِمُ، ثُمَّ يَهْتِفُ: تُحْجَبُ
فَإِنِّي لِحُبِّكَ قَادِمٌ لَا مُغَادِرٌ
وَإِنِّي لِوَصْلِكَ مُقْبِلٌ أَتَقَرَّبُ
هَوَاكَ خِتامُ الشِّعْرِ لَا حَدَّ بَعْدَهُ
وَأَنْتَ لِقَلْبِي مُعْجَزَاتٌ تُجَرَّبُ
وَإِنْ جَارَ زَمْنِي، فَالْهَوَى فِيكَ رَاحَتِي
وَفِيهِ أَرَى صَبْرِي، وَمِنْكَ أُهَذَّبُ
تَغَنَّى بِذِكْرَاكَ النَّسِيمُ، فَلَوْ دَنَا
مَسَاءٌ عَلَى جَفْنِي، لِذِكْرَاكَ يُطْنِبُ
وَمَا زَالَ فِي رُوحِي لِعَيْنَيْكَ مَوْضِعٌ
يَبُوحُ إِذَا ضَاقَ الزَّمانُ وَيَعْتِبُ
هَوَاكَ جَمَالٌ لَوْ نَسَجْتُ حِكَايَتِي
لَتاهَتْ عُقولُ الخَلْقِ فِيمَا سَيُرْغَبُ
وَمَا صَاغَ قَلْبِي مِنْ هَوَاكَ قَصِيدَةً
سِوَى نَبْضِ رُوحٍ في يَدَيْكَ تُعَذَّبُ
تَفَتَّحَ فِي صَدْرِي رَبِيعٌ مِنَ الهَوَى
فَلَا الحُزْنُ يَبْقَى، لَا وَلَا السَّدُّ يُضْرَبُ
وَإِنِّي لِأَدْرِي أَنَّ فِيكَ مَسَارِحِي
وَأَنَّكَ فِي أَيَّامِ عُمْرِي تُدَوَّبُ
وَمَا صُغْتُ فِي حُبِّي سِوَى صِدْقِ مُهْجَةٍ
تُعَلِّمُ قَلْبِي كَيْفَ يَحْيَا وَيُصْحِبُ
وَإِنْ عُدْتُ يَوْمًا لِلصَّبَابَةِ سَائِلًا
فَمَا لِي سِواكَ في المَحافِلِ أَقْرَبُ
وَمَا ضَاقَ صَدْرِي فِي هَوَاكَ، فَإِنَّهُ
إِذَا طَالَ شَوْقِي، فَالهَوَى فِيكَ يَنْصِبُ
وَإِنِّي لِأَعْلَمُ أَنَّ وَصْلَكَ دَارُنَا
وَفِيكَ تَحِطُّ الرُّوحُ حِينَ تُغَرَّبُ
وَيَا غَايَةَ الْأَيَّامِ فِي كُلِّ خَاطِرٍ
يُحَاوِلُ أنْ يَرْقَى لَهَا الحُبُّ أَصْوَبُ
سَأَبْقَى عَلَى عَهْدِ الهَوَى، لَا أُغَيِّرٌ
وَإِنْ غَيَّرَتْنِي حَالَةٌ لَا تُجَرَّبُ
وَإِنْ قِيلَ: مَا تَبْغِي؟ أَقُلْ: أَنْتَ غَايةٌ
بِهَا يَحْسِبُ العُشَّاقُ كَيْفَ سَيُوهَبُ
فَلَكَ الحُبُّ، مَا عَانَقْتُ فِي الدَّهْرِ مُهْجَتِي
وَمَا بَقِيَتْ فِي القَلْبِ رُوحٌ تُعَذَّبُ
وَمَا الحُبُّ إِلَّا أَنْ نُقَدِّمَ رُوحَنَا
لِمَنْ فِيهِ نُورُ اللهِ لَا يَتَحَجَّبُ
فَإِنْ طَالَ فِينَا الدَّهْرُ، نَبْقَى بِذِكْرِهِ
وَإِنْ قَصُرَتْ أَيَّامُنَا، لَيْسَ يَنْضَبُ
هُوَ العَهْدُ والقَسْمُ الَّذِي لَا تَغَيُّرٌ
عَلَيْهِ، وَلَا يَبْلَى، وَلَا يَتَذَبْذَبُ
وَإِنِّي عَلَى دَرْبِ الهَوَى لَكَ سَائِرٌ
وَلَا شَيْءَ يُثْنِينِي وَلَا أَنَا أُتْعَبُ
وَهَذِي مُعَلَّقَتِي، وَفِيكَ نُقُوشُهَا
تُخَلِّدُهَا الأَيَّامُ حِينَ تُهَذَّبُ