لا تضعْ أنا
فوقَ نحن
فينكسرُ المعنى.
لأنّ “أنا”
حين تتضخّم
تصيرُ ظلًّا بلا جسد،
وصوتًا بلا صدى،
ونجمةً فقدتْ سماءها.
و“نحن”
ليست جمعَ أرقام،
ولا حشدَ حروف،
هي كائنٌ يتنفّسُ بالاختلاف،
ويحيا بالتماسّ،
ويقومُ على فكرة
أن لا أحدَ يكتملُ وحده.
لا تضع “أنا”
على كتفي “نحن”،
فتثقلُها الأنانية
حتى تنحني،
وتسقطُ الجماعة
في حفرة المرآة.
المرآةُ تحبّ “أنا”،
تلمّعها،
تجعلها أكبرَ من حقيقتها،
وتقنعها
أن العالمَ خُلِق
ليقفَ خلفها في الطابور.
لكنّ “نحن”
لا تقفُ في طوابير،
هي تمشي دائرةً،
تأخذُ يدًا
وتعطي قلبًا،
وتربحُ لأن الجميع
لم يخسروا أحدًا.
لا ترفع “أنا”
على منبر “نحن”،
فتتحوّل الخُطبةُ
إلى سيرة ذاتية،
وتصيرُ القضيّة
صورةً موقّعة باسم المتكلّم.
“نحن”
لا تحبّ التوقيعات،
تحبّ الأثر.
تحبّ أن يُقال:
مرّوا من هنا
فصار الطريقُ أوسع.
“أنا”
تحبّ أن يُقال:
كنتُ هنا
فصار المكانُ أضيق.
لا تضع “أنا”
فوق “نحن”،
لأنّ المعنى
كائنٌ هشّ،
يُكسرُ بأصابع الكبرياء،
ويُرمَّمُ
بأكتاف التواضع.
“نحن”
جسرٌ
و“أنا”
حجر.
الحجرُ إن علا
قطعَ العبور،
وإن نزل
صار جزءًا من الطريق.
لا تجعل “أنا”
تتكلّمُ باسم “نحن”،
فتصيرُ الجماعة
قناعًا،
والقناعُ وجهًا مستعارًا،
والوجهُ خيانةً للملامح.
“نحن”
لا تستعيرُ وجوهًا،
تصنعُ ملامحها
من تعب الجميع.
لا تضع “أنا”
فوق “نحن”،
لأنّ فوق
تحتاجُ أجنحة،
و“أنا”
تمشي بعكّاز الرغبة.
“نحن”
تمشي بحذاء الصبر.
لا ترفع “أنا”
إلى مقام القيادة،
وتترك “نحن”
في مؤخرة القرار،
فيصير المصيرُ
حكمَ فرد
على وطنٍ من الأسئلة.
“نحن”
ليست قطيعًا،
ولا جمهورًا للتصفيق،
هي ورشةُ تفكير،
وضميرٌ يتناوبُ الحراسة
على المعنى.
لا تضع “أنا”
فوق “نحن”،
لأنّ اللغة
تفقدُ أخلاقها
حين تتوحّدُ في فمٍ واحد،
وتستعيدُ نقاءها
حين تتوزّعُ على القلوب.
“نحن”
ليست ضدّ التميّز،
هي ضدّ الاستعلاء.
هي تقول ل “أنا”:
كن جميلًا…
لكن لا تكن وحدك.
كن عاليًا…
لكن لا تكن فوقنا.
كن واضحًا…
لكن لا تمحُ الآخرين.
لا تضع “أنا”
فوق “نحن”،
فينكسرُ المعنى،
ويتسرّبُ من شقوق الذات
إلى فراغٍ
اسمه:
اللاجدوى.