تخطَّ إلى المحتوى

في هجعة الليل المخيف الشاتي

غير معروف

٨٢ بيت

المتفرقات

في هجعة اللّيل المخيف الشاتي

و اجوذ يحلم بالصباح الآتي

و الريح كالمحموم تهذي و الدجى

في الأفق أشباح من الإنصات

و الشهب أحلام معلّقة على

أهداب تمثال من الظلمات

و الطيف يخبط في السكينة مثلما

تتخبّط الأوهام في الشبهات

والظلمة الخرسا تلعثم بالرؤى

كتلعثم المخنوق بالكلمات

في ذلك اللّيل المخيف مضى فتى

قلق الثياب مروّع الخطوات

يمشي و ينظر خلفه و أمامه

نظر الجبان إلى المغير العاتي

و يرى الحتوف إذا تلفّت أو رنا

و يحسّ أصداء بلا أصوات

و يعود بسأل نفسه ما خيفتي ؟

ماذا أحسّ ؟ و أين أين ثباتي ؟

ماذا يخوّفني أنا رجل السرى ؟

و أنا رفيق اللّيل و الفلوات

هل ليلتي غير اللّيالي ؟ أم أنا

غيري … أكاد الآن أنكر ذاتي

أين الصباح و أين منّي قريتي ؟

و الرعب قدّماي و في لفتاتي

و هنا تراءت للمروّع عصبة

كالذعر شيطانيّة اللّمحات

شعث كأهل إلاّ أنّ في

نظراتهم همجيّة الشهوات

و تقلّبت مقل العصابة في الفتى

و كأنّها تشويه بالنظرات

و تخيّلت " كيس النقود " فأبرقت

رغباتها في الأعين الشرهات

و تململت فيها الشراسة مثلما

يتململ الزلزال في الهضاب

و التاع فيها الشرّ فاهالت على

ذاك الفتى بالضرب و الطّعنات

فاستلّ خنجره و كسّر وحده

و حشيّة الوثبات بالوثبات

و تلفّتت تلك العصابة حولها

فرأت بعين الوهم ظلّ سراه

و هناك لاذت بالفرار و أدبرت

ملعونه الروحات و الغدوات

و عدت يصادم بعضها بعضا كما

تتصادم الآلات بالآلات

و جثا الفتى بين الجراح كمدنف

يستنجد العوّاد بالزفرات

و تلكأت عند التوجّع روحه

بين الممات و بين نصف حياة

وامتدّ في حضن الطريق وداؤه

حيّ وصفرته من الأموات

و تداعت الأوجاع فيه و التظت

فيه الجراح الحمر كالجمرات

و إذا تهيّأ للنهوض تثاءبت

فيه الجراح تثاؤب الحيّات

و على يمين الدرب كوخ تلتقي

في صدره النكبات بالنكبات

بين القصور و بينه ميل و ما

أدنى المكان و أبعد الرحمات !

يشكو إلى جيرانه فيصمّهم

عنه ضجيج القصف و اللّذّات

كوخ إذا خطرت به ريح الدجى

أومى إلى السكان بالرعشات

" سنوات يوسف " عمره وجداره

أبدا تنوء بأعجف السنوات

فيه العجوز و بنتها و غلامها

يتذكّرون موارد الأقوات

فالحقل جدب ظاميء و سماؤه

صحو تلوح كصفحة المرآة

و الأغنياء ، و هل ترقّ قلوبهم ؟

لا ، إنّها أقسى من الصخرات

و تغلغلوا في الصمت فانتبهوا على

شبح ينادي الصمت بالأنّات

فإذا فتى قلق الملامح يختفي

تحت الجراح الحمر و الخفقات

فمشى ثلاثتهم إليه وانثنوا

بالضّيف بين الدمع و الآهات

وروى لهم خبر العصابة أنّها

سدّت عليه الدرب بالهجمات

و تهيّجت فيه الجراح فصدّها

و تستّرت باللّيل كالحشرات

فدنت فتاة الكوخ تمسح وجهه

و تبلسم الأجراح بالدعوات

و تبلّ من دمه يديها إنّها

تشمّ فيه أعبق النفحات

و ترى به ما ليس تدري هل ترة

سرّ القضا ؟ أم آية الآيات

فإذا الجراح تنام فيه و يشتفي

و يردّ عمرا كان وشك فوات

وإزاءه ابنت الجميلة كلّها

روح سماويّ و طهر صلاة

يتجاوب الإغراء في كلماتها

كتجاوب الأوتار بالنغمات

أغفى الجريح على السكون و أغمضت

أجفان من حوليه كفّ سبات

و الكوخ في حرق الأسى مترقّب

بشرى ترفّ عليه كالزهرات

و اللّيل تمثال سجين يرتجي

فكّ القيود على يد النحّات

فبدا احمرار في الظلام كأنّه

لعنات حقد في وجوه طغاة

و تسلّل السحر البليل على الربى

كالحلم بين الصحو و الغفوات

يندى و ينثر في البقاع أريجه

و يرشّ درب الفجر بالنّسمات

وصيت على الجبل الشموخ أشعّة

مسحورة كطفولة القبلات

فكأنّما الجبل المعمّم بالسنى

ملك يهزّ الفجر كالرايات

رفع الجبين إلى العلا فتقبّلت

في رأسه الأضواء كالموجات

و تسلّق الأفق البعيد شموخه

فترى عمامته من الهالات

و تلألأت فوق السفوح مباسم

ورديّة الأنفاس و البسمات

وانصبّ تيّار الشروق كأنّه

شعل النبوّة في أكفّ هداه

و غزا الدروب فأجفلت قطّاعها

ووجوههم تحمرّ بالصفعات

و تصايحت تلك العصابة ما أرى ؟

هذي الجهات المشرقات عداتي

أين المفرّ ؟ و أين أطلب مهربا ؟

و النور يسطع من جميع جهاتي

كيف القرار ؟ و ليس لي كهف و لا

درب فيا لي ! ! يا لسوء مماتي !

و أفاق أهل الكوخ حين ثقوبه

تومي إلى الأبصار بالومضات

فدنا ثلاثتهم يرون جريحهم

فإذا الفتى في سكرة الفرحات

نفض النعاس وشدّ فيه جراحه

و استقبل الدنيا بعزم أباه

ورمى إلى كفّ الغلام و أمّه

بعض النقود و دعوة البركات

و صبا إلى كفّ الفتاة و قال : يا

" نجوى " خذي نخب الزفاف و هاتي

و طوى الجراح وهبّ يقتاد السنى

و يبشر الأكواخ بالخيرات

و يقود تاريخا و ينبت خطوة

فجرا ينير مسالك القادات

فضح الصباح المجرمين فأصبحوا

أخبار جرم في فم اللّعنات

و تعالت الأكواخ تنظر أهلها

يضعون " غار النصر " في الهامات "

لمس الربيع قلوبهم و حقولهم

فاخضوضرت بالبشر و الثمرات

و الجوّ يلقي النور في الدنيا : كما

تلقي السيول مناكب الربوات

و الزهر في وهن الشباب مفتّح

فوق الغصون كأعين الفتيات

و الأفق يورق بالأشعّة و الندى

و الأرض تمرح في حليّ نبات

و هنا انتهى دور الجرائم و ابتدى

دور وريف الظلّ كالجنّات

فتجمّع الإخوان بعد تفرّق

وانضمّ شمل الأهل بعد شتات

صرعت أباطيل الدجنّة يقظة

أقوى من الإرهاب و القوّات

و الدجل يذهب كالجفاء و لم تدم

إلاّ الحقيقة فوق كلّ عتاة

إنّ الحياة مآتم تفضي إلى

عرس و أفراح إلى حسرات

لكنّها بخريفها و شتائها

و بصيفها .. حكم ودرس عظات

فاختر لسير العمر أيّة غاية

إنّ الحقيقة غاية الغايات .