أيا قلبُ هل أضناكَ وجدٌ مُكتَّمُ
وهل مسَّكَ الوجعُ القديمُ المُضرَّمُ
تبيتُ تُناجي الليلَ والليلُ شاهدٌ
بأنَّك من نارِ الهوى تتألَّمُ
تلوذُ بصمتٍ والدموعُ فصيحةٌ
وفي الصدرِ سرٌّ بالأنينِ يُترجمُ
رمتكَ لحاظُ الحسنِ سهمًا مُباغتًا
فما لكَ من بأسِ الجمالِ مُقاومُ
كأنَّ عيونَ البدرِ حينَ تبسَّمت
صواعقُ شوقٍ في الحشا تتقسَّمُ
وما كنتَ تدري أن طرفًا إذا رمى
يصيبُ فؤادَ العاشقينَ ويغنمُ
فيا عجبًا من نظرةٍ كيف أورثت
فؤادًا كليلِ البيدِ وهو مظلَّمُ
أأهجرُ ذكراها وفيها حياتي
وكيف لروحٍ دونها تتنعَّمُ
أغارُ عليها من نسيمٍ يلامسُ
خدودًا كوردِ الروضِ حينَ يترنمُ
وأغارُ من ظلٍّ يمرُّ بقربها
ومن طيفِ حلمٍ في المنامِ يُخيَّمُ
وأحسدُ ثغرًا قد تفتَّحَ باسمًا
إذا قبَّلتهُ الكؤوسُ تُسلَّمُ
وأغبطُ كفًّا لامستْها بأناملٍ
كأنَّ بها سرَّ الحياةِ يُنظَّمُ
رأيتُ بها حسنًا يفوقُ تصوُّري
كأنَّ بها سرَّ الجمالِ مُخَتَّمُ
إذا ما بدتْ فالأرضُ تزهو بنورها
ويخجلُ نورُ الشمسِ حينَ تُقدَّمُ
تثنَّتْ كغصنٍ في النسيمِ مُدلَّلٍ
وفي مشيها سحرٌ يُضلُّ ويُلهمُ
حديثُ عيونٍ لا يُترجمُ لفظُهُ
ولكنه في القلبِ صدقٌ مُعلَّمُ
ألا فاسألوا قلبي لماذا تعلَّقَت
بهذه التي في حسنها أتوهَّمُ
فقال: وجدتُ الروحَ فيها فهل ترى
حياةً لمن في غيرها يتوهَّمُ
فقلتُ: أفيها كلُّ هذا الذي أرى؟!
فقال: وهل يُحصى الجمالُ ويُفهمُ؟!
بها حكمةُ الأيامِ في طرفِ ناظرٍ
وفي صوتها لحنُ القلوبِ يُنغَّمُ
وفي خُلُقٍ منها سكينةُ عابدٍ
وفي صبرها سرُّ الرضا يُتعلَّمُ
لها في فؤادي منزلٌ لا يُزاحمُ
وفي مهجتي عهدٌ به أتكرَّمُ
إذا غابتِ الدنيا تضيقُ برحبها
وإن حضرتْ فالعمرُ فيها يُنعَّمُ
بكيتُ اشتياقًا لا لذنبٍ جنيتُهُ
ولكنني في حبِّها أتظلَّمُ
فما كان لي ذنبٌ سوى أنني الهوى
إذا حلَّ في صدرٍ فذاك المُحكَّمُ
ألا يا نسيمَ الليلِ بلّغ تحيتي
لمن في هواها القلبُ دومًا يُخيَّمُ
وقل إنني باقٍ على العهدِ صابرٌ
وإن طالَ دربُ البعدِ لا أتأثَّمُ
فإن جادَ وصلٌ كان عيدي وراحتي
وإلا ففي ذكراها الروحُ تُسلَّمُ
أيا ليتَ يومًا يجمعُ الدهرُ بيننا
فننسى الذي من لوعةِ الشوقِ أعظمُ
ولكنها الأيامُ تمضي بحكمها
وكلُّ الذي فيها على المرءِ يُحكمُ
فإن لم يكن لي في لقائها نصيبُ
فحسبُ فؤادي أنه بها مُتَيَّمُ