تخطَّ إلى المحتوى

أهذا صدى الماضي أم وهم البصر الحائر

الطويل

٥٣ بيت

المتفرقات

أهذا صدى الماضي أم وهمُ البصرِ الحائر؟

تلوّحُ لي أطلالُ الديارِ التي مضت في الغَدَى

وقفتُ على صمتِ المكانِ كأنّي

أفتّشُ في وجهي عن العمرِ إن مرّ بلا مُدى

مكانٌ تقادم، لا ضجيجَ يُحييه

ولا ضحكةٌ تُبقي له نورًا ولا ثُرى

تعاقبتِ الأعوامُ فخارتْ جدرانه

وابتلّتْ بالنسيمِ، كأنّه ضاحكٌ أو مُبكَى

وكانت هنا نارُ الليالي مضيئةً

وكانت الأرواحُ تألفُ السَّمر والهدى

فمرّت رياحُ الوقتِ تمسحُ أثرَهم

كأنّ لم يكن وعدٌ، ولا خُطا في الصَّحرا

تلبّدتِ السَّماءُ واشتدّت غيماتها

كأنّ الليلَ أسدلَ ثوبَهُ كالصَّخر الأبهى

رعودٌ إذا نادتْ هزّت صمتَ المكانِ

وبرقٌ يشقُّ الظلامَ كما يشقّ السُّرى

هطولٌ أعاد الأرضَ طفلةً نديّةً

وأيقظَ في الترابِ أسرارَها والبهى

ففاضت عروقُ الصخرِ خضراءَ بعدما

ظنّها الناسُ هامدةً بلا حياةٍ تُرى

ونبتَ العشبُ، وأشرقت أشجارُ الغاب

كأنّ للخلقِ في الخفاء سرًّا قدّ ثرى

وعادت الطيورُ لا تُرى إلا عند الغروب

وشمّت الصمتَ في الوهاد والسهول المُجرى

قلتُ: هكذا الحزنُ إن طالَ صبره

أتاهُ الفرجُ الغامرُ كما يشاءُ المولى

سبحانَ من يحيي القلوبَ بسحبةٍ

ويجعلُ بعد اليباسِ لها أثرًا يُرى

حملتُ طريقي فوق ظهري كأنّي

أحملُ العمرَ كلهَ حيثما دارَ السرَى

قطعتُ الفيافي، لا دليلَ إلا النجمُ

وسرّ الليلِ، يهمسُ لي بما انتثرَا

مدائنُ مرّتْ ثم ولّتْ، ولم أجدْ

سوى وجهي المتعبِ مرآةً للغدِ يُرى

أسميت الجهاتِ الأربعَ كلّها

ولا الشرقُ يعرفني، ولا الغربُ اقتضَى

إذا قلتُ: هذا هو المنتهى، عاد المدى

ويمدُّ يديهُ للعلا، داعيًا خطايَ إلى الرّضَا

أجرُّ خطاي، وكلُّ خطوة عاشقٍ

تساوي عمرًا من الأوجاعِ إذا انتشرَا

سكنتُ الخيام، ثم تركتُ ظلَّها

كأنَّ الاستقرارَ خيانةٌ أو مُرّ أَمَرا

أنا ابنُ الطريقِ، وإن تعبتُ فإنّي

أخافُ السكونَ إذا استراحَ واستقرّا

ما بين بدءِ السيرِ واللاشيءِ قصةٌ

كتبتُ فصول الشكِّ فيها ولم تُمحَ أو تُرى

وعلّمتني الأسفارُ أنّ كلّما

وجدتُ الطريقَ ضعتُ أكثرَ وانكسَرَا

أحببتُ وجهًا لو تأمّلَهُ الهوى

لتعلّمَ منه العيون كيف تُدارَا

فتاةٌ إذا مرّتْ خفَتْ ضوضاءُ الورى

وصارَ الصمتُ أفصحَ من كلّ أنغى

لها ضحكةٌ تُنسي الحسابَ والعدّ

وثانيةٌ تعيدُ الفتى طفلًا إذا ابتدرَا

لعبنا، ولعبُ العاشقين عبادةٌ

إذا كان قلباهما الحكمَ والخطرَا

حسبتُ القُبلَ عدًّا، فخانَت أصابعي

لأنّ الشفاهَ لا تُحصي ما انتشرَا

والزمانُ إذا حضرنا يتّئدُ

كأنّ الدقائقَ خافت أن تُكسَرَا

نجادلُهُ: مهلاً، فيبتسمُ المدى

ويأخذُ من أعمارنا ما تيسّرَا

وما كنتُ أدري أنّ بعض لحظةٍ

تساوي حياةً لو وُزِنّتْ ما بررَا

إذا غابت الدنيا بقربها مرّةً

فهمتُ لماذا الخلقُ صلّوا وصبَرَا

ولم يبقَ من عقلي سوى لعبة الهوى

ولا من وقاري غيرُ اسمها إذ قَدّرا

أُخاصمُ عقلي حين يأمرُ بالنجاةِ

وأتبع قلبي حيثما قال: انتظرَا

كم مرّةٍ خنتُ الحذرَ لأجلها

وكم مرّةٍ صار التهلكُ فيها منتصرَا

أُحبّها لا عقلًا، ولا قصد حكمةٍ

ولكن لأنّ الروحَ اختارتها قَدَرَا

إذا قلتُ: يكفي، عاد شوقي أوّلًا

كأنّ البدايةَ لا تُسمّى أخِرَا

ويعبثُ بي الزمنُ العابثُ مبتسمًا

ويهمسُ: هذا العشقُ لن يُغتفرَا

أضحكُ: خذ ما شئتَ من عمري،

ودع لي دقّةً من قلبها إن فُقِدَا

وما كان حبي صفقةً أو مهربًا

ولكنه نارٌ إذا اشتعلتُ أقدَرَا

عشقتها حتى صرتُ قصيدةً

تمشي على قدمين إن شاءَ الشِّعرَا

فإن ضعت يومًا، فاسألوا عن ملامحي

تجدوا بقاياها على بابها الأثرَا

أحنُّ إليها كلما ضاق موطني

وكلّ حنينٍ دونها يبدو صغَرَا

أُنادي اسمها، فيردُّه صدري

صدىً متعبًا، ثم يعودُ مُكسَرَا

إذا قيل: سلوانٌ، سألت: وأين هي؟

وهل يُرتجى سلوان قلبٍ تذكّرَا؟

أحبّ بُعدها، ليس حبًا للبعدِ

ولكن لأنّ الشوقَ فيهِ تكرّسَا

وأمشي إلى لاشيء، ثم أقول: لعلها

هناك، فلعلُّ العاشقين يُغتفرَا

ما بين نبضي واسمها مسافةٌ

إذا قيست بالحب صارت صفرَا

وإن غبت عنها، فالغِيابُ زيارةٌ

لأن حضور الروح أصدقُ إن حضَرَا

أحبك حتى آخر القول كله

وحتى إذا انتهى القول وابتدَرَا

فإن عاد هذا العمرُ يومًا سأبتدي

من اسمها، لا من يوم خلقي أو الذكرَا

وآخرُ همسي مثل أوّل وقفةٍ

أأثرٌ هنا؟ أم خدعةُ البصرِ والسَّرى