تَسَلَّلَ طَيفُ الحُسنِ في الصَّدرِ مُظلِمِ
فَأَوقَدَ في أَحشائِهِ النُّورُ مُشتَعِلِ
وَما كُنتُ أَهوى القُربَ لَكِنَّهُ دَنا
فَأَفشى لِقَلبي ما تَوارَى مِنَ الخَجِلِ
رَأَيتُكِ مِثلَ الفِكرِ يَعلو مُجَرَّدًا
فَلا كَفَّ يَحويهِ وَلا الحِسُّ يَصطَفِلِ
أُحِبُّكِ حُبًّا لا يُفَسَّرُ مَذهبًا
كَأَنَّ الهَوَى في صَدرِهِ وَحيُ مُنزَلِ
وَما البَوحُ إِلّا عَجزُ نُطقٍ مُهَذَّبٍ
إِذا اِمتَنَعَ المَعنى تَوارَى وَيَنجَلِ
أُحادِثُ نَفسي عَنكِ حَتّى كَأَنَّني
أُقيمُ صَلاةَ الوَجدِ في سِرِّ مُحتمِلِ
وَأَجعَلُ مِن صَمتي لِقَلبِكِ خُطبَةً
إِذا ضاقَ عَن بَوحِ الوُدودِ مُوَصِّلِ
فَما العِشقُ أَن تَهوى الجُسومَ وَإِنَّما
تَعالِي مَقامِ الرُّوحِ عَن كُلِّ مُنحَفِلِ
أَراكِ إِذا ما لاحَ وَجهُكِ مُشرِقًا
يُهَذِّبُ في صَدري غُبارَ التَّذَلُّلِ
كَأَنَّكِ بابُ السِّلمِ في كُلِّ مُوحِشٍ
يَزولُ بِهِ عَن نَفسِيَ الوَهمُ مُنجَلِ
أُحِبُّكِ لا شَوقًا لِوَصلٍ مُعَجَّلٍ
وَلٰكِن لِما فيكِ مِنَ الحُسنِ مُكمِلِ
وَما ضَرَّني أَلّا أَراكِ فَإِنَّما
يَصونُ الهَوى بُعدُ الحَبيبِ المُؤَمَّلِ
لَقَد صِرتُ أَخشَى أَن يُدَنِّسَ عِشقَنا
حَديثُ الوَرَى أَو أَن يُصِيبَ المُحافِلِ
فَأَكتُمُ ما بي وَهوَ أَكبَرُ هِمَّةً
مِنَ الصَّبرِ حَتّى يَستَقيمَ التَّأمُّلِ
إِذا قيلَ مَن تَهوى؟ سَكَتُّ تَجَلُّدًا
كَأَنّي أُخَبّي سِرَّ قَلبِي المُجَلِّلِ
لَها في فُؤادي مَوطِنٌ غَيرُ مُنتَهٍ
كَأَنَّ اِتِّساعَ الرُّوحِ صَارَ مَنازِلِ
أُقَلِّبُها فِكرًا وَأَكتُبُ ذِكرَها
فَتَسكُنُ بَينَ الحِسِّ سِرًّا مُعَقَّلِ
وَأَلقاها في كُلِّ شِعرٍ أُحاوِلُهُ
فَتَنهَضُ في الإِلهامِ مَعنًى مُكَمَّلِ
فَلا أَنتِ مِلكي وَلا أَنا مُدَّعٍ
وَلٰكِنَّنا نَرتادُ سِرًّا مُعَذَّلِ
وَلٰكِنَّهُ عَهدُ المَوَدَّةِ بَينَنا
يَصونُ نَقَاءَ الحُبِّ عَن كُلِّ مُخذَلِ
إِذا ما ذَكَرْتُ الحُسنَ أَبصَرتُ أَنَّما
مَعانيكِ في عَيني تُعيدُ التَّجَلِّي
وَإِنّي لَأَرضى مِن هَواكِ إِشارَةً
تُقيمُ بِصَدري نارَ شَوقٍ مُقَبَّلِ
فَحُبُّكِ لَم يُولَد لِيَملِكَ مُهجَتي
وَلٰكِن لِيُحيي في الفُؤادِ التَّأمُّلِ
سَيَبقى هَواكِ الطُّهرُ سِرًّا مُقَدَّسًا
أَصونُ بِهِ عُمري وَأَحمِي التَّغَزُّلِ
فَيا أَيُّها العِشقُ المُنَزَّهُ إِنَّني
بِأَيِّ لِسانٍ بَعدَ حُبِّكِ أَعتَلِ
أُحِبُّكِ حُبًّا لَو يُقاسُ تَوَهُّجًا
لَأَحرَقَ بَينَ الكَونِ نُورًا مُهَزَّلِ
وَأَعشَقُكِ العِشقَ الَّذي لَيسَ يَنتَهي
كَأَنَّ الهَوَى في الرُّوحِ أَضحى مُؤَبَّلِ
فَما البَوحُ إِلّا قَطرَةٌ مِن تَدَفُّقٍ
يُخَبِّئُهُ القَلبُ الكَبيرُ المُكمَّلِ
إِذا قيلَ: أَفنَاكَ الهَوى؟ قُلتُ: إِنَّما
بِهِ أَبصَرَت رُوحِي جَمالَ التَّفَضُّلِ
أَرَى فيكِ مِرآةَ النَّقاءِ وَكُلَّما
دَنَوتُ اِرتَقَت رُوحِي إِلَيكِ التَّعَقُّلِ
وَإِنّي وَإِن لَم أَلقَ وَصلًا فَإِنَّني
أُحِبُّكِ حُبًّا لا يَزولُ التَّحَوُّلِ