تخطَّ إلى المحتوى

ثمان وعشرون نبضة قد خفقت

البسيط

٢٩ بيت

الرثاء

ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ نَبْضَةً قَدْ خَفَقَتْ

بِكُلِّ حُرُوفِ الضَّادِ لَا زَيْفٌ وَلَا وَهَمُ

أَيَا مَنَارَ الْفُؤَادِ وَإِنْ شَحَّتْ مَحَابِرُنَا

فَفِي عُرُوقِيَ عَهْدٌ لَيْسَ يَنْصَرِمُ

أَتَى يُونِيو يَجُرُّ الْيُتْمَ فِي يَدِهِ

صَوْبَ الدِّيَارِ فَخَرَّ الطَّوْدُ وَالْعَلَمُ

عَامٌ مَضَى.. وَكَأَنَّ الْفَقْدَ ثَانِيَةٌ

تَمْتَدُّ عُمْراً فَلَا تَمْضِي وَلَا تَنَمُ

خَبَا الضِّيَاءُ فَمَا فِي الْكَوْنِ مِنْ نُورٍ

إِلَّا رَمَادٌ وَفِي صَدْرِي لَظَى ضَرَمُ

تَهَاوَتِ الشَّمْسُ عَنْ أَفْلَاكِهَا وَجَلًا

وَمَادَتِ الْأَرْضُ حَتَّى اسْتَيْقَظَتْ حِمَمُ

فَرَّاجُ يَا قُطْبَ عِلْمٍ شَاعَ مَنْطِقُهُ

يَسْمُو بِكَ الْفِقْهُ وَالتَّفْسِيرُ وَالْحِكَمُ

أَنَا المُضَافُ إِلَى ذِكْرَاكَ مُنْكَسِراً

وَبَعْدَكَ الْعُمْرُ.. لَا رَفْعٌ وَلَا نَظْمُ

كُنْتَ الْحَيَاةَ وَمُبْتَدَأً لِفَرَحَتِنَا

بَلْ كُنْتَ خَبْراً بِهِ الْآلَاءُ تَرْتَسِمُ

صُغْتَ الْبَلَاغَةَ إِفْصَاحاً وَتَأْوِيلاً

وَأَنْطَقَ الصَّمْتَ فِي مِحْرَابِكَ النَّسَمُ

أَوْقَدْتَ فِي غَسَقِ الْأَلْفَاظِ جَذْوَتَهَا

حَتَّى اسْتَقَامَ بِكَ الْإِعْرَابُ وَالْكَلِمُ

مَا جَفَّ حِبْرُكَ بَلْ مَاتَ الْبَيَانُ بِهِ

وَالْيَوْمَ فِي نَعْيِكَ الْأَفْعَالُ تَنْجَزِمُ

يَا فَاعِلَ الْخَيْرِ وَالْمَفْعُولُ مَلْحَمَةٌ

فِي نَهْجِكَ الضَّمُّ لَا جَزْمٌ وَلَا قَسَمُ

شَيَّدْتَ نُوراً لِدِينِ اللهِ فَالْتَحَمَتْ

فِيهِ الْمَحَارِيبُ وَالْإِحْسَانُ وَالْقِيَمُ

غَيْثٌ مِنَ الْجُودِ لَا تَجْفُو سَحَائِبُهُ

بَذْلٌ نَقِيٌّ.. فَلَا مَنٌّ.. وَلَا سَأَمُ

فَرَّاجُ يَا فَرَجاً فَاضَتْ مَنَاهِلُهُ

فِي جَدْبِ رُوحٍ سَقَتْهَا بِالْأَسَى دِيَمُ

يَا بَاسِمَ الْوَجْهِ هَلْ لِلْأَرْضِ أَنْ تَنْسَى

ثَغْراً بِنُورِ الرِّضَا يَزْهُو وَيَبْتَسِمُ

حَلِيمُ طَبْعٍ بَصِيرُ الْقَلْبِ ذُو أَدَبٍ

تَحْنِي لَهُ الْهَامَ مِنْ إِجْلَالِهِ الشِّيَمُ

يَا أَيْكَةَ الْعَطْفِ لِلْأَرْحَامِ كَمْ مَسَحَتْ

يُمْنَاكَ دَمْعاً فَهَانَ الْبُؤْسُ وَالْأَلَمُ

وَدَّعْتُهُ فَتَوَارَى الضَّوْءُ مِنْ مُهَجِي

كَأَنَّمَا الْقَلْبُ بَعْدَ الْبَيْنِ يَنْهَدِمُ

وَالْيَوْمَ يَبْكِي بِجَوْفِ اللَّيْلِ مُصْحَفُهُ

تَرْتِيلُ مُتَبَتِّلٍ بِهَدْيِ اللهِ يَعْتَصِمُ

يَا طِيبَ لَحْدٍ حَوَى فِي جَوْفِهِ رَجُلاً

مِسْكاً تَرَقْرَقَ.. وَالرَّحَمَاتُ تَزْدَحِمُ

أَكْرِمْ بِهَذَا الثَّرَى قَدْ زَادَهُ شَرَفاً

طُهْرُ الْمَقَامِ وَفَضْلٌ بَاهِرُ الْعِظَمُ

يَا قَبْرُ صُنْ جَسَداً فِي طَيِّهِ سَكَنَتْ

شَمْسٌ أَضَاءَتْ دُجَى الْأَيَّامِ وَالظُّلَمُ

عَسَى فُيُوضُ الرِّضَا وَالْعَفْوِ تَغْمُرُهُ

مَا طَافَ عَبْدٌ وَصَلَّى فِيكَ يَا حَرَمُ

يَمْضِي الْكِرَامُ وَتَبْقَى بَعْدَهُمْ سِيَرٌ

كَالنَّصِّ يُتْلَى فَلَا مَحْوٌ وَلَا هَرَمُ

أَوْدَعْتُ فِيكَ حُرُوفَ الضَّادِ نَاظِمَهَا

دَمْعاً يَذُوبُ وَجُرْحاً لَيْسَ يَلْتَئِمُ

ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُخْتَارِ خَاتِمَتِي

مَا خَطَّتِ الْكَفُّ حَرْفاً أَوْ بَكَى قَلَمُ

بِقَلَمِ: رَجَب

أَحْمَد عِيسَى