تَسَلَّلَ فَجْرُ الْحُسْنِ مِنْ سِتْرِ خِدْرِهَا
فَخَالَتْ رُبَى نَجْدٍ بِأَنَّ الصَّبَا سَرَى
وَمَالَتْ غُصُونُ الْبَانِ تَلْثِمُ دَرْبَهَا
كَأَنَّ بِهَا وَجْدًا مِنَ الشَّوْقِ قَدْ بَرَى
إِذَا مَا مَشَتْ وَالرَّوْضُ يَرْقُبُ خَطْوَهَا
تَهَادَى عَلَى أَكْمَامِ أَزْهَارِهِ الطَّرَى
وَيَخْجَلُ وَجْهُ الْوَرْدِ عِنْدَ جَبِينِهَا
فَيُطْرِقُ مَفْتُونًا وَيَكْتُمُ مَا جَرَى
وَتَرْكَعُ أَمْوَاجُ الْغُدَيْرِ تَهَيُّبًا
إِذَا مَرَّ فِي أَعْطَافِهَا الْعِطْرُ وَانْتَشَى
وَيُصْغِي إِلَيْهَا الْبَدْرُ مِنْ فَوْقِ عِزِّهِ
فَيُطْفِئُ نِصْفَ النُّورِ خَوْفًا إِذَا رَأَى
وَيَلْبَسُ وَجْهُ اللَّيْلِ مِنْ كُحْلِ طَرْفِهَا
سَوَادًا بِهِ سِرُّ الدُّجَى قَدْ تَوَارَى
كَأَنَّ شَذَى الْمِسْكِ ارْتِحَالٌ بِرُوحِهِ
فَلَمَّا دَنَتْ فِي ثَوْبِهَا الْعِطْرُ قَدْ أَوَى
وَيَرْجِعُ صَوْتُ الْمَاءِ يَرْتَعِدُ الصَّدَى
إِذَا رَدَّدَتْ فِي السَّمْعِ مِنْ لَفْظِهَا نَدَى
وَتَرْفَعُ أَسْرَابُ الْحَمَامِ عُيُونَهَا
إِلَى ثَغْرِهَا حَتَّى يُخَيَّلُ أَنَّهَا كَرَى
إِذَا ضَحِكَتْ فِي الْقَصْرِ أَشْرَقَ رُخَامُهُ
وَرَدَّدَ صَوْتُ الْجُدْرِ مَا قَالَتِ الصَّدَى
وَيَتْبَعُهَا ظِلُّ الرَّبِيعِ مُوَلَّهًا
كَأَنَّ رَبِيعَ الْأَرْضِ مِنْ حُسْنِهَا انْحَنَى
وَمَا الْغَيْمُ إِلَّا عَابِرٌ فِي سَمَائِهَا
إِذَا أَرْسَلَتْ طَرْفًا عَلَى الْأَرْضِ أَمْطَرَا
تُعَلِّمُ أَعْطَافَ الْغَزَالِ رَشَاقَةً
إِذَا انْثَنَتْ فِي الْمَشْيِ وَاهْتَزَّ مَا رَأَى
وَيَنْسَى سَنَا الْقِنْدِيلِ وَهْجَ ضِيَائِهِ
إِذَا اسْتَقْبَلَتْهُ مِنْ مُحَيَّاهَا السُّرَى
وَيُرْخِي الْمَسَاءُ الشَّعْرَ فَوْقَ رُبُوعِهِ
إِذَا مَرَّ طَيْفٌ مِنْ جَمَالِهَا وَاعْتَرَى
وَيَرْتَبِكُ الْمِرْآةُ مِنْ حُسْنِ وَجْهِهَا
فَيُطْفِئُ مِنْ خَوْفِ الْمُمَاثَلَةِ الصُّوَرَا
وَلَوْ أَبْصَرَتْ عَيْنَا امْرِئِ الْقَيْسِ حُسْنَهَا
لَأَلْقَى عَلَى أَعْتَابِهَا الشِّعْرَ وَاعْتَذَرَا
وَيَسْهَرُ وَجْهُ الْبَحْرِ لَيْلًا إِذَا بَدَتْ
عَلَى شُرْفَةٍ زُرْقٍ يُحَدِّثُهَا الْكَرَى
كَأَنَّ نُجُومَ اللَّيْلِ حَارَتْ بِحُسْنِهَا
فَتَبْحَثُ فِي عَيْنَيْهَا عَمَّا جَرَى
إِذَا الْفَجْرُ لَاحَ احْمَرَّ وَجْهُ أُفُقِنَا
كَأَنَّ ضِيَاءَ الشَّمْسِ مِنْ وَجْهِهَا جَرَى
وَيَرْكَعُ عِطْرُ الْيَاسَمِينِ تَوَاضُعًا
إِذَا مَا سَرَى فِي الرِّيحِ مِنْ ثَوْبِهَا شَذَا
أَمُرُّ عَلَى الْوَادِي فَيَسْأَلُنِي الصَّدَى
أَرُوحٌ تَمَشَّتْ فِي الرُّبَى أَمْ هِيَ امْرَأَى؟
فَأُصْغِي إِلَى قَلْبِي فَيَرْجِعُ شَارِدًا
لِأَنَّ الَّذِي قَدْ هَالَهُ الْحُسْنُ مَا وَعَى
وَأَمْضِي وَفِي أَعْمَاقِ رُوحِيَ رَعْشَةٌ
كَأَنِّي رَأَيْتُ الْبَدْرَ يَمْشِي عَلَى الثَّرَى
فَلَا الْحَرْفُ يَقْوَى أَنْ يُحِيطَ بِوَصْفِهَا
وَلَا الشِّعْرُ يَبْلُغُ مِنْ مَعْنَاهُ مَا ابْتَغَى