تسلّلَ شوقي في العظامِ كأنّهُ
نَدى ليلِ صحراءٍ تشرّبَ مُنصَبّا
أبيتُ، وليلُ البيدِ مرآةُ غربتي
تُعيدُ إلى عينيَّ ما كانَ مُغيّبا
وأصغي إلى صمتِ المدى، فكأنّهُ
رسائلُ غيمٍ ضاعتِ الصوتَ والمَتَى
تمرُّ الرياحُ كأنّها ذاكرةٌ
تفتحُ أبوابَ الزمانِ المُعذّبا
وأبصرتُ بدرَ الليلِ شقَّ جدارَهُ
فأطلقَ نورًا في الفضاءِ مُرتّبا
كأنّ السماءَ كتابُ قلبٍ مُرهقٍ
يُعيدُ ارتباكَ الضوءِ فيهِ مُرتّبا
إذا ما غابتْ، صار كلُّ معالمِي
فراغًا يُطاردُ ظلَّ وجهي مُتعبا
وإن اقتربتْ، انكمشتْ جهاتُنا
كأنّ المدى في صدرِ صدري تكسّبا
أرى طيفَها في كلِّ شيءٍ كأنّهُ
يُعيدُ تشكيلَ الحياةِ مُقشّبا
فتنحلُّ ألوانُ الحقيقةِ كلُّها
ويبقى لها في داخلي المُتحجّبا
وأمشي، كأنّي في الغيابِ خريطةٌ
تُفتّشُ عن وجهِ النجاةِ المُغيَّبا
وأسمعُ في قلبي صدى ما فقدتُهُ
فيكبرُ حتى يُشبهَ الحزنَ موهبا
فإنّي إذا ما لاحَ طيفٌ لذكْرِها
تكسّرَ في صدري الوجودُ المُركّبا
كأنّ حياتي شاشةٌ في ضبابِها
تُعيدُ انطفاءَ الضوءِ شيئًا فشيئا