تَساقَطَ ثَلْجٌ كالسَّرارِ مُبَكِّرا
وَبَيَّضَ وَجْهَ الأَرْضِ بِالنُّورِ مُسْفِرا
فَقُلْتُ: هَدايا الشِّتَاءِ اِنْهَمَرَتْ سَرا
وَجَاءَ بِلا إِنْذَارٍ كَالسِّحْرِ مُنْتَشِرا
كَأَنَّ السَّمَاءَ نَسِيَتْ سِرَّهَا فَأَظْهَرا
وَقَفْتُ أُحَدِّقُ فِيهِ مَسْحُوراً مُتَحَيِّرا
يُبَيِّضُ وَجْهَ الدُّنْيَا وَيَمْحُو مَا مَضَى وَجَرا
كَأَنَّ الوُجُودَ أَرَادَ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ جَذَرا
وَصَمَتَ الزَّمَانُ قَلِيلاً وَأَلْقَى مَا اِدَّخَرا
أَيَا ثَلْجُ مَا أَنْتَ إِلَّا لَحْظَةٌ عَبَرا
جَمِيلٌ كَمَنْ يَأْتِي وَيَمْضِي وَلا أَثَرا
وَفِي فَنَائِكَ سِرٌّ لَمْ يَزَلْ يُسْتَرا
يَذُوبُ كَمَا تَذُوبُ الأَحْلَامُ حِينَ سَرا
وَيَتْرُكُ فِي القُلُوبِ شَوْقاً لِمَا انْدَثَرا
فَكُلُّ جَمِيلٍ فِي الدُّنْيَا إِلَى السَّفَرا
تَأَمَّلْتُ فِيهِ الكَوْنَ يَلْبَسُ حُلَّةً خَضِرا
وَسَاءَلْتُ نَفْسِي: هَلِ الجَمَالُ قَدَرٌ قُدِرا
فَمَا كُلُّ بَيَاضٍ نَقَاءٌ وَإِنْ ظَهَرا
كَأَنَّ الشِّتَاءَ أَحَسَّ بِالرَّحِيلِ فَأَسْبَرا
فَأَرْسَلَ ثَلْجَهُ وَدَاعاً قَبْلَ أَنْ يَغْبَرا
هَدِيَّةُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ اللِّقَاءَ قَدِ انْكَسَرا
يَقُولُ وَدَاعاً بِالبَيَاضِ لِمَنْ نَظَرا
وَيَكْتُبُ عَلَى الأَرْضِ رِسَالَةً لِمَنْ صَبَرا
فَكَمْ مِنْ وَدَاعٍ صَارَ أَجْمَلَ مِمَّا مَرَّ وَجَرا
صَمَتَ الثَّلْجُ لَحْظَةً كَأَنَّهُ تَذَكَّرا
وَأَدْرَكَ أَنَّ الأَرْضَ سَتَنْسَاهُ إِذَا انْتَشَرا
فَذَابَ بِصَمْتٍ كَمَا ذَابَ العُمْرُ حِينَ أَدْبَرا
وَسَطَ البَيَاضِ لَمَحْتُ خَيَالَهَا عَبَرا
كَأَنَّ الثَّلْجَ أَرَادَ أَنْ يُذَكِّرَنِي بِمَنْ هَجَرا
فَطَافَ بِخَاطِرِي وَجْهٌ أَجَلُّ مِمَّا ظَهَرا
لَهَا بَرِيقٌ يَفُوقُ الثَّلْجَ حِينَ أَنَارا
وَدِفْءٌ يَسْكُنُ الأَرْوَاحَ وَيَمْلَأُ مَا خَسِرا
فَأَيْنَ الثَّلْجُ مِنْ نُورٍ فِي عَيْنَيْهَا اسْتَقَرا
نَسِيتُ الثَّلْجَ وَالدُّنْيَا وَكُلَّ مَا عَبَرا
وَصَارَ الكَوْنُ كُلُّهُ فِي ذِكْرِهَا مُنْحَصِرا
فَمَا أَجْمَلَ مَنْ يَجْعَلُ الثَّلْجَ شَيْئاً قَدْ هَجَرا
يَا ثَلْجُ أَنْتَ جَمِيلٌ لَكِنَّكَ قَدْ قَصَّرا
جَمَالُكَ يَذُوبُ وَجَمَالُهَا فِيَّ تَجَذَّرا
فَكَيْفَ تُقَارِنُ نَفْسَكَ بِمَنْ فِيَّ أَسَّرا
أَنْتَ هَدِيَّةُ شِتَاءٍ سَاعَةً ثُمَّ انْدَثَرا
وَهِيَ هَدِيَّةُ الوُجُودِ لِمَنْ طَالَ مَا انْتَظَرا
فَلَا يُقَاسُ العَابِرُ بِمَنْ فِي الرُّوحِ قَدْ أَثَّرا
يَا شِتَاءُ وَدَاعاً فَثَلْجُكَ قَدْ مَضَى وَغَبَرا
لَكِنَّهَا بَقِيَتْ فِي صَدْرِي وَمَا انْفَجَرا
فَأَنْتَ فَصْلٌ يَمُوتُ وَهِيَ فَصْلٌ مَا انْكَسَرا