شهقةُ نايٍ…
تمرُّ في الهواء..
كأنّها طيفُ جنون..
وسِحرُ سكون...
تتسلّلُ بين الضلوع خفيةً
فتُشعلُ في القلبِ ألفَ ارتجافٍ…
وألفَ ظنون...
يعزفُ…
فيميلُ الليلُ قليلاً
وتتعثّرُ النجومُ بخُطاهُ..
كأنها قطيعُ حنينٍ مفتونْ..
كلُّ نغمةٍ تنفلتُ منهُ
تخلعُ عن الروحِ أسماءها
وتتركها عاريةً
إلّا من عطرٍ قديمٍ…
لا يُصان..
ولا يُخزَنُ ...
في أيِّ مخزون...
يا لهذا الناي..
كيف يسرقُ الأنفاسَ من أفواهنا
ويعيدُها دخانًا مُخمليًّا
يُسكِرُ الوقتَ…
ويُربكُ الجهاتِ…
ويجعلُ المسافاتِ تنحني
كأنها سجودٌ ...
في حضرةِ لحنٍ مجنون...
كلُّ ارتعاشةٍ فيهِ
تُشبهُ اعترافًا لم يُقَل
وكلُّ امتدادٍ في صوتهِ
يمشي على حافّةِ البكاءِ…
دون أن يكون...
أراهُ...
ككائنٍ من شقوقِ الريح
يتنفّسُ من صدرِ الفراغ
ويصبُّ في آذاننا
أنهارًا من غيابٍ…
مغموسةٍ بعطرِ الفتون...
إذا اقتربَ…
تذوبُ اللغةُ
وتتكسّرُ الحروفُ
ويصيرُ القلبُ حديقةً من أنينٍ طيّعٍ…
بلا قانونْ..
وإذا ابتعدَ…
يبقى معلقًا في الهواءِ
خيطٌ رفيعٌ من وجعٍ شفيف
كأنّ الروحَ قد نُسيتْ
بين نفخةٍ ونفخةٍ…
في ليلٍ بلا عيونْ...
أيُّ سرٍّ فيكَ يا ناي
يجعلُ الحزنَ ناعمًا
ويجعلُ الفرحَ شفافًا
حتى لا نعرفُ الفرقَ..
بين موتٍ صغيرٍ…
وبدايةِ تكون...
تعزفُ...
فتنحني الأزمنةُ
ويذوبُ فيك الزمانُ
كقطرةِ عطرٍ ضلّت طريقها
فسكنتْ إلى الأبدِ…
في صدرِ لحنٍ...
لا يخون...