غَدَتْ عَذُولَايَ فِي أَطْلَالِ مَرْبَعِنَا
تُلِحَّانِ فِي اللَّوْمِ لا تَرْفُقَانِ بِشَانِي
وَتَقُولَانِ مَا هَذَا السُّهَادُ الَّذِي نَرَى
وَمَا لَكَ لا تَهْوَى سِوَى ظَبْيَةِ الأَفْنَانِ
أَفِي نَوًى بَيْنَ الخِبَاءِ وَأَهْلِهِ
تُضَارِعُ نَفْسًا قَدْ أَضَرَّ بِهَا الغُرْبَانِ
فَقُلْتُ: دَعَانِي الحَيُّ، إِلَّا هَوَاهُهَا
فَإِنِّي عَلَيْهِ لَا عَلَى قَوْلِكُم تَعْيَانِ
أَرَى الدَّارَ بَيْضَاءَ الرِّهَاطِ كَأَنَّهَا
وَجُوهُ صِبًى وَلَّوْا، فَلَا يَرْجِعَانِ
وَأَلْحَظُ أَطْلَالَ الخِبَاءِ كَأَنَّهُ
سَنَابِلُ بَانٍ مَرَّتِ الرِّيحُ بِالأَغْصَانِ
وَمَوْضِعَ وَطْءِ الرِّجْلِ مِنْهَا كَأَنَّهُ
نُدُوبُ فُؤَادِي فِي ثَرَى القَفْرِ بَانِ
هُنَالِكَ قَامَتْ بَيْنَ رَبْعٍ وَدَمْعَةٍ
لِيَ اللَّيْلَةَ البَيْضَاءُ، بَانَتْ عَنِ الرُّكْبَانِ
الغَزَالَةُ الرَّيَّانَةُ الحُسْنِ إِذْ خَرَجَتْ
كَرَوْضَةِ مُزْنٍ بَيْنَ رَمْلٍ وَأَثْبَانِ
إِذَا أَظْلَمَتْ أَرْجَاءُ لَيْلٍ تَصَدَّعَتْ
بِنُورِ مُحَيَّاهَا صُدُوعُ الكِثْبَانِ
إِذَا مَشَتْ بَيْنَ الخِيَامِ تَحَيَّرَتْ
خُطَاهَا، فَمَالَ الحَيُّ يَنْظُرُ أَيْنَ تَمْشِيَانِ
تَهَزُّ قُيُودَ الحُلْيِ فِي كُلِّ خُطْوَةٍ
كَهَزِّ نَسِيمِ الصُّبْحِ أَغْصَانَ وَادِيَانِ
مُعَبَّقَةُ الشَّعْرِ، الرِّيَاحُ إِذَا مَضَتْ
عَلَيْهِ حَمَلْنَ المِسْكَ عَنْهُ إِلَى الجِيرَانِ
إِذَا ما جَلَسْنَا في الخَلا خَلْفَ رَكْبِهِمْ
بَدَتْ كَقَمَرِيَّةٍ تُنَاجِي فُؤَادَ غُصْنَانِ
تَضُمُّ إِلَيَّ الكَفَّ، لا تَسْتَزِدْ وَلَا
تُرِيدُ بِهَا إِلَّا اطِّرَابَ دَمٍ يَجْرِيَانِ
فَيَرْتَجِفُ الصَّدْرُ المَوَقَّدُ، لا يَرَى
سِوَى نَبْضِهَا نَارًا بِعِرْقٍ وَشِرْيَانِ
فَيَا عُذُلِي، مَا الحُبُّ لَوْ لَمْ يَكُنْ دَمًا
يُهَاجِرُ فِي الأَعْضَاءِ يَجْرِي عَلَى الأَعْيَانِ
إِذَا مَا أَتَى اللَّيْلُ الطَّوِيلُ تَنَاهَبَتْ
عَلَيَّ الطُّيُوفُ كَأَنَّهُنَّ نُجُبُ هُجَّانِ
أُسَاهِرُ نَجْمًا بَعْدَ نَجْمٍ،وَإِنَّمَا أُسَافِرُ
فِي عَيْنَيْهِنَّ نَحْوَكِ يَا سَنَاهُو الْحَانِ
يَسِيلُ دُمُوعِي فِي مَسِيلِ ضُلُوعِهِ
كَنَزْفِ نِحَارٍ فِي فَلَاةٍ عُرَانِ
فَإِنْ قُلْتُمَا: أَخْفِ الهَوَى، فَإِنَّنِي
أَرَى الكِتْمَانَ قَتْلًا، وَنُطْقِي نِزَالانِ
أُصَابِرُ نَفْسِي فِي الهَوَى صَبْرَ جَلْمُدٍ
إِذَا غَدَا فِي المِرْجَلِ السَّيْفُ وَالقُضْبَانِ
وَأَرْقُبُ وَجْهَ البَانَةِ الغَضِّ كُلَّمَا
رَنَا الطَّرْفُ أَحْيَا فِيهِ جِرْحَ قَلِيلِ المَانِ
لَئِنْ صَدَّنِي الحَيُّ العَذُولُ عَنْ اسْمِهَا
مَا صَدَّ الفُؤَادَ المُسْتَهَامَ عَنِ التَّيْمَانِ
وَلَئِنْ رَمَوْنِي بِصَدْعِ العُرُوقِ فَإِنَّنِي
أُثِيرُ حُرُوبًا عِنْدَ اشْتِبَاهِ الصِّفَانِ
أُرِيهِمْ فُؤَادًا فِي الوُغَى مُتَقَدِّمًا
وَأَخْفِي وِدَادًا فِي الضُّلُوعِ عَلَى الأَحْزَانِ
أُسَابِقُ أَهْلَ الحَيِّ فِي كُلِّ مَغْزَةٍ
وَمَا خَيْلُهُمْ إِلَّا جِيَادُ هَوَاكِ تَجْرِيَانِ
إِذَا مَا اسْتَغَاثَ المُسْتَغِيثُ تَقَحَّمَتْ
رِكَابِي، وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَ الوَغَى جُبْنَانِ
أَرُدُّ الحِمَى، لَكِنْ أُقِيمُ عَلَى الهَوَى
كَمَا يَقِفُ الرَّاكِي عَلَى مَوْقِدِ الغُضْبَانِ
أُذِبُّ عَنِ الجَارِ الكَرِيمِ، وَإِنَّمَا
أُذِبُّ لِوَجْهٍ فِي دَمِي لَكِ يَجْرِيَانِ
وَأَمْنَعُ عَنْ حُرْمَاهُ زَلَلِي، وَقَدْ رَأَوْا
لِيَ اليَدَ لا تَمْتَدُّ إِلَّا لِمُسْتَجْدِيَانِ
فَإِنْ قَصَدُوا حَيِّي بِسُوءٍ تَرَكْتُهُمْ
كَأَفْحُوصِ قَطًا تَحْتَ عُقَابِ رَعْدَانِ
وَخَاضُوا مَعِي خَرْقًا تَشُقُّ رِمَالَهُ
رِيَاحُ الفَلَا فِي زَخْمِ كُلِّ فُلْتَانِ
فَأَمْشِي عَلَى الأَوْدَاءِ أَعْلُو مَتُونَهَا
وَيَمْشُونَ فِي أَثَرِي كَأَطْفَالِ صَيْوَانِ
إِذَا ضَلَّ رَاعٍ فِي الفَلَاةِ هَدَيْتُهُ
وَفِي الكَفِّ جَمْرُ الوِصَالِ لَكِ القُحْطَانِ
وَإِنْ دَانَ لِي الصَّيْدُ العَتِيقُ تَرَكْتُهُ
لِغَزَالَةِ عَيْنٍ فِي خَيَالِي تَرَعْرَعَانِ
أُعَرِّي جِلْدَ العُمْرِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ
وَأَشْرِي هَوَاكِ بِالدَّمِ وَالهَجْرَانِ
أُصُونُ ذِمَامِي وَالعِرَاضَ، وَإِنَّمَا
أُزَيِّنُهَا بِالعَهْدِ لا بِالمُهْجَةِ القِرَانِ
أُنفِقُ مَا أَمْلِكُ فِي الضَّيْفِ إِذَا أَتَى
وَحَظِّي مِنَ الدُّنْيَا غُبَارٌ عَلَى الظَّمْآنِ
إِذَا مَا جَلَسْنَا فِي السَّمَارِ تَذَكَّرُوا
حَدِيثِي، فَهَاجَتْ فِي العُيُونِ دِمَانِ
يَا قَوْمِ، مَجْدِي مَا السُّرُوجُ وَرُمْحُكُمْ
بَلْ نَبْضُ قَلْبِي لِلظَّبِيَّةِ الرَّيَّانِ
لَئِنْ ذَكَرُوا فِي النَّادِي مَكَارِمَ سَادَةٍ
ذَكَرْتُ حِمْلِي فِي هَوَاكِ فَوْقَ مَا يَزْعُمَانِ
وَإِنْ قَالَ عَذَّالٌ: يَذِلُّ الفَتَى إِذَا
أَطَاعَ هَوَى ظَبْيٍ قُلْتُ حَاشَا أَنْ أُهَانِ
وَمَا الذُّلُّ إِلَّا أَنْ أُسَلِّمَ مُهْجَتِي
لِلدَّهْرِ، لَا لِوُدٍّ فِي الصَّدْرِ الحُسْنَانِ
فَإِنِّي إِذَا مَا أُرْعِدَتْ رِئَةُ الْفَتَى
ثَبَتُّ، وَفِي عَيْنَيَّ جَمْرُ الوَغَى يَلْتَهِبَانِ
وَإِنِّي إِذَا مَا الجَارُ أَلْقَى رِدَاءَهُ
جَعَلْتُ صُدُورِي دُونَهُ وَسِنَانِي
وَإِنِّي لَفِي البِيدَاءِ لَوْ شِئْتِ نَاقَتِي
تُطِيقُ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ لَهُ الأَقْرَانِ
تُغِيرُ مَعَ الرُّكْبَانِ فِي كُلِّ مَهْلِكٍ
وَتَسْتَخْرِجُ السِّرَّ المَطْوِيَّ فِي الأَكْفَانِ
فَإِنْ نَالَنِي نَصْبٌ، تَذَكَّرْتُ نَظْرَةً
تُذِيبُ عِظَامِي فِي لَهِيبِ الشَّجَانِ
فَأَطْرَحُ مَا لَاقَيْتُ تَحْتَ مَطَايَتِي
كَرَمْلٍ دَهَتْهُ الرِّيحُ بَعْدَ عُدُوانِ
أَفِيقَا عُذُولَيَّ وَاشْهَدَا أَنَّ مَا بَقِيَتْ
لِيَ النَّفْسُ مَا أَغْنَى عَنِ الوِدِّ حَاكِيَانِ
فَإِنِّي لَا يَغُولُ النَّأْيُ مَا فِي مُهَجَتِي
وَلَا حَدَثَ الأَيَّامِ يَقْطَعُ لِي رِسْنَانِ
إِذَا مَا بَدَا لِلْحَيِّ يَوْمًا مُفَاخِرٌ
بِخَيْلٍ وَأَسْيَافٍ،فَفْخَرِي صِدْقُ لِلْخُلَّانِ
أُجِيبُ إِذَا نَادَى المُغَوِّثُ صَوْتَهُ
وَأُغْنِي الفَقِيرَ عَلَى قِلَّةِ الجُفَانِ
وَجَارِي لَا يَخْشَى عَلَى الحُرْمِ زَلَّتِي
وَلَا يَتَّقِي مِنِّي كَلَامًا فِي الخَفَا يُدْفَانِ
فَتَى لا يُرَزِّئُ الخِلَّانَ شَيْئًا
وَيَكْسُوهُمُ نَدًى يَحْيَا بِهِ الخِلَّانِ
فِدَاءً لَهُ نَفْسِي وَمَالِي وَمَا بَقِيَتْ
مِنَ الدَّهْرِ لِي إِنِّي لِوُدِّكِ لا لَهُ أُفْدَانِ
فَإِنْ نَأَتِ الأَطْلَالُ عَنْ عَيْنِ نَاظِرِي
فَإِنَّكَ فِي صَدْرِي كَزَنْدٍ دَفِينِ نِيرَانِ
وَإِنْ خَلَّفُوا فِي الأَرْضِ دُورًا وَسَرْجَهُمُ
فَإِنِّي أُخَلِّي فِي ضُلُوعِي لَكِ العَهْدَانِ
فَهَذَا طَرِيقِي فِي الحَيَاةِ وَمَذْهَبِي
هَوًى صَادِقٌ، وَسَيْفُ عَهْدٍ رَسَانِ
إِذَا مِتُّ مِتُّ الحُرَّ حُرًّا كَمَا نَشَا
عَلَى العَهْدِ، بَيْنَ النَّارِ وَالحُرْقَان