تخطَّ إلى المحتوى

أمر بدار كان يسمع ضحكها

الكامل

٦٧ بيت

النسيب

أَمَرُّ بِدارٍ كَانَ يُسْمَعُ ضَحْكُهَا

فَأَصْبَحَ وَجْهُ الرَّبْعِ أَقْفَرَ وَجْنَاهَا

تَرَاكَمَ فِي أَسْوَاقِهَا الصَّمْتُ هَامِدًا

وَأَرْمَدَتِ الرِّيحُ الْجِدَارَ فَمَا بَقِيهَا

وَأَثْفَتْ عَلى جُدْرَانِهَا سُحُبُ الْأَسَى

كَأَنَّ الْمَصَابَ اجْتَاحَ أَرْضًا سَقَاهَا

وَغَابَتْ سَوَارِي الْقَوْمِ عَنْ جَنْبِ بَادِيَةٍ

تَنُوحُ عَلَى الرَّحْلِ الْقَدِيمِ ذِكَرَاهَا

وَصِرْتُ أُحَدِّقُ فِي الرِّمَالِ كَغَارِقٍ

يُفَتِّشُ عَنْ بَقَايَا أَهْلِهَا وَمَنَاهَا

تَبَدَّدَ جَمْعُ العِشْرَةِ السَّمْحَاءِ فِي هَوًى

كَأَنَّ الْبِلادَ لَقَدْ أَصَابَتْهَا قَضَاهَا

أَرَى كُلَّ ظِلٍّ قَدْ تَفَرَّقَ أَهْلُهُ

وَأَجْفَلَ نَبْضُ الحَيِّ يَشْكُو فَنَاهَا

يُذَكِّرُنِي صَخْرُ الثَّرَى بِنَدَاهُمُ

وَيُطْفِئُ جَمْرِيَ بَعْدَهُمْ مَا رَوَاهَا

وَبَيْنَ ظِلَالِ الدَّارِ أَلْفَى جَارِيَةً

تَجُرُّ ضَفِيرًا فَوْقَ أَعْتَابِ بَابِهَا

أَوَانِسُ لِلذِّكْرَى تَجُوبُ مَجَالِسًا

تَبُثُّ صَدَى الأَيَّامِ فِي مُنْتَهَاهَا

فَأَثَّرَ فِي قَلْبِي عُقَيْصَةُ هَالَةٍ

تَهَامَسَ نُورُ الْجِيدِ فِيهَا وَفَاهَا

وَرَاقَبْتُ طَيْفًا كَانَ يَمْشِي بِوَسْطِهَا

يُفَتِّقُ أَسْرَارَ الْهَوَى وَجَنَاهَا

فَسَالَتْ لَدَيَّ الذِّكْرَيَاتُ كَنَفْضَةٍ

عَلَى رَمْلِ قَلْبِي، أَيْقَظَتْ مُقْلَتَاهَا

فَأَقْبَلَ وَجْهُ الْحُسْنِ يَحْكِي ضَفِيرَهَا

وَيُنْبِتُ فِي صَحْرَاءِ عُمْرِي نَدَاهَا

وَعَلَى سَاعِدَيْهَا وَشْمُ بَانٍ تَخَضَّبَا

يُشِعُّ بِهِ السِّرُّ القَدِيمُ وَمَا خَفَاهَا

وَكَمْ قَدْ مَرَرْتُ بِمَرْبَعِ الْحَيِّ فَانْبَعَثَتْ

رَوَائِحُ عِطْرٍ مِنْ خِيَامِكِ كَانَتِ الْهَا

لَهَا شَعْرُهَا الْمَسْكُوفُ يَنْثُرُ عِطْرَهُ

كَرِيحِ السَّرَى إِذْ جَاءَ يَغْشَى قِرَاهَا

وَإِذَا مَرَّ فَوْقَ الْجِيدِ حُرَّ كَسَائِبٍ

تَهَادَى عَلَى الْخَدَّيْنِ يُرْسِلُ شَذَاهَا

وَمَا مَسَّ كَفِّي نَاعِمًا كَمَلَمِسِهَا

إِذَا خَاطَبَتْ نَجْمَ الظَّلِيلِ نِدَاهَا

وَأُشْرِبُ مِنْ شَفَتَيْهَا عَسَلَ اللِّقَاءِ

فَتَبْتَرُ عُمْرَ السَّاهِرِ الرِّيَّانَ مَاهَا

وَخَدٌّ كَنُورِ الْفَجْرِ، تَخْضِيبُ وَجْنَةٍ

بِهِ يَلْتَهِبُ الْوَجْدُ الْقَدِيمُ وَغَاهَا

وَثَغْرٌ صَغِيرٌ مُكْتَنِزٌ بَضُّ مَنْبِتٍ

إِذَا ضَحِكَتْ أَطْلَقْتُ صَبْرِي جِزَاهَا

وَلَهْوَةُ أَنْفٍ كَالسِّهَامِ إِذَا بَدَتْ

تُشِيعُ هَوًى فِي النَّفْسِ يُضْعِفُ جَأْشَهَا

وَجِيدٌ كَسِاقِ الْبَانِ يَمْتَدُّ بَيْنَنَا

فَيُوقِظُ لَيْلِيَ مَا أَخَفَّ سِنَاهَا

وَمَا لِلْعِقَالِ إِنْ تَثَنَّى عَلَى قَصَبٍ

مِثْلُ الزَّمَانِ إِذَا تَحَلَّى رِدَاهَا

وَأَبْكِي فُرَاقَ الدَّارِ حِينَ تَذَكَّرَتْ

حَنِينِيَ قَوْمٌ قَدْ تَبَدَّدَ مَأْوَاهَا

أُحَدِّثُ قَلْبِيَ فِي السُّهَادِ وَحِيدَهُ

وَيَنْثُرُ دَمْعِي حَوْلَ أَعْتَابِ شَكْوَاهَا

وَتَأْتِينِي الأَصْوَاتُ لَيْلًا مُبَعْثَرَةً

كَأَنَّ الزَّمَانَ يَعِيدُ لِي رُؤْيَاهَا

أُشِيدُ جِبَالَ الصَّبْرِ فِي مَرَاوِحِهِ

فَتَهْوِي رِجَالُ الْحَيِّ تَشْكُو مَدَاهَا

وَذَاتَ نِزَالٍ فِي الفَلَاةِ سَقَيْتُنِي

رِمَاحُ الْعِدَا، وَالسَّيْفُ يُرْعِدُ حَامَاهَا

تَطَايَرَ غُبَارُ الْمَيْدَانِ فِي جَحِيمِهِ

وَرَكْضُ الْخُيُولِ كَانَ يَقْرَعُ أَدْنَاهَا

فَكُنْتُ أَرَى ظِلَّ الْحَبِيبَةِ فِي الطِّلَى

وَفِي طَرْفِ خَصْمٍ صَارَ يَبْلَعُ رَجْوَاهَا

وَلَمَّا لَقِيتُ الفَارِسَ السَّبْعِيَّ فِي السَّرَى

شَدَدْتُ عَلى فَرَسِ الهَوَى فَانْحَلَّ رَاحَاها

فَكَسَرْتُ ظَهْرَ الْمِطْيَّةِ فَانْبَثَّتْ قِطَعْ

كَسِنَانِ أَنْيَابِ الْمُحَبَّةِ إِذْ بَسَاهَا

وَتَفَادَيْتُ رُمْحًا جَاءَ يَقْتُلُ وَجْدَهُ

فَصَرَعْتُ رَامِيهِ وَعَادَتْ لِي مُنَاهَا

وَلَوْ أَنَّ رُمْحَ الْعَيْنِ أَصَابَ جَسَدِي

لَكُنْتُ أَسِيرَ الشَّوْقِ يَحْتَرِقُ صَدَاهَا

وَبِتُّ أَخِرَ النَّازِلِينَ بِفِجِّ وَغًى

جِلْدِيَ دَمٌ غَيْرُ دَمِي، أَرْتَجِي مَنَاهَا

أُرَابِطُ جِرَاحِي فِي الرِّمَالِ وَحِيدًا

وَأَنْتَظِرُ المَنِيَّةَ أَنْ تُحِلَّ عُرَاهَا

أَجُولُ بِسَاحِ القَرَاحِ كَجَارِحٍ

أُشِيعُ عَجَاجَ القَفْرِ في يَمْنَاهَا

أَمُرُّ بَيْنَ جَموعِهِمْ لا أَتَّقِي

صَوْتَ الرِّمَاحِ وَلا أُبَالِي صَدَاهَا

أُبِيحُ دِمَاءَ القَوْمِ كُلَّ مُوَاجِهٍ

إِذَا اِرْتَمَى طَرْفِي عَلَى مَنْ يَلْقَاهَا

مَا هَمَّنِي وَجْهُ العَدُوِّ وَلا غِلَظٌ

مَا حِيلَتِي إِلا المَنِيَّةُ مَبْغَاهَا

وَلا يَرُدُّ غُبَارُ مَيْدَانٍ مِقْدَمِي

وَلا صُرَاخُ الحَرْبِ يَحْجِبُ رَجْوَاهَا

لِي سَيْفُ صِلْدٍ، دَامِي الحَدِّ مُهَنَّدٌ

يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ النَّارِ يُذْكِي مَضَاهَا

قَدْ سَاقَهُ الحَدَّادُ فِي اللَّيْلِ قَاسِيًا

وَلَمْ يَلِنْ حَتَّى اِسْتَقَامَ قَنَاهَا

لَوْ يُوضَعُ الزَّنْدُ عَلَى صُلْبِ حَدِّهِ

مَا لانَ حَتَّى يَفْصِلَ العَظْمَ عَنْ لَحْمِهَا

وَإِنْ دَقَّ صَخْرُ البَيْدِ تَحْتَ مَضَارِبِي

خَرَجَتْ شَرَارَتُهُ تُحْرِقُ أَعْلَاهَا

أُرَوِّعُ القَوْمَ، لا أَخْشَى جُمُوعَهُمُ

فِي كُلِّ لَحْظَةِ ضَرْبَةٍ أَجْنِي رُؤَاهَا

وَأُزْهِقُ نَفْسَ الضَّارِبِينَ بِقُوَّتِي

فَتَفْزَعُ أَشْبَاحُ الهَوَى مِنْ صَدَاهَا

وَتَنْهَشُ خَيْلِي التُّرْبَ يَنْزِفُ أُدْمُهَا

فَيُزْهِرُ وَجْهُ البَيْدِ جَرْحًا جَرَاهَا

وَيَشْرَبُ رَمْلُ البَيْدِ أَثَرَ فَتَكِي

فَيُسْكِرُ جُرْحِي صَمْتَهُ وَمَدَاهَا

فَإِنْ قُتِّلَ القَوْمُ انتَشَرْتُ كَعَاصِفٍ

وَجُثُومُهُمْ وَقُودُ لَيْلٍ أَضَاهَا

وَكَمْ دَارَ رُمْحِي الوَغَى يَسْتَصِيحُهُمْ

فَيُزْهِرُ بَيْنَ الرَّمْلِ وَالصَّخْرِ شَاهَا

وَخَلَّفْتُ فِي صَحْرَاءِ بَادِيَةٍ نُدُبًا

تُحَدِّثُ عَنْ يَوْمٍ سَحَقْتُ جَبَاهَا

وَقَلْبِي، وَإِنْ ضَاقَتْ أَرْضُ المَذَابِحِ

أَوْسَعُ مِنْ كُلِّ السُّيُوفِ وَمَنْ شَاهَا

وَأَنْظُرُ فَوْقَ الهَامِ يَوْمَ تَطَايَرَتْ

رُؤُوسُهُمُ حَتَّى تَنَاثَرَ مَسْعَاهَا

فَإِنْ ذُكِرَتْ دَاهِيَةُ السَّاحِ يَوْمَهَا

فَفِي جُرْحِ قَلْبِي مَا يُذِلُّ مَنَاهَا

وَأُبْصِرُ شَعْرَهَا فِي رِيحِ غَارَةِ رَمْلِهِ

يُغَطِّي جِرَاحِيَ، يُسَكِّنُ أَعْيَاهَا

وَكَمْ جَاءَتِ الرُّمْحُ الْقَوِيُّ يَصُولُنِي

وَمَا جَرَحَ القَلْبَ الْمُحِبَّ سِوَى ذِكْرَاهَا

تَفَجَّرَ مِنْ جُرْحِي حَنِينٌ كَمَا سَقَتْ

غَمَامَةُ صَيْفٍ أَرْضَ بَادِيَةٍ سَقْيَاهَا

وَوَدِدْتُ لَوْ أَنَّ المَنِيَّةَ أَحَاطَتْ

وَأَنْتِ عَلَى جَنْبِي، فَطَابَتْ مَنَاهَا

فَمَا كُلُّ مَا يَرْجُو الْفُؤَادُ مُنَالَهُ

وَمَا كُلُّ حُلْمٍ لِلْبَشِيرِ لَقَاهَا

وَكَمْ رُبَّمَا جَارَ الزَّمَانُ بِخِسْفِهِ

وَبَاتَتْ أَمَانِي الْقَوْمِ تُذْبَحُ جَفَاهَا

فَثِقْ بِصُمُودِ الرَّمْلِ وَاخْشَ السَّقَطَاتِ

فَمَنْ يَسْقُهُ الْوَقْتُ يَشْرَبْ كَدَرْنَاهَا

وَهَذَا خِتَامُ الْوَجْدِ فِي صَدْرِ خَيْمَتِي

إِذَا ذَبُلَ الْحُبُّ الْقَدِيمُ وَجْنَاهَا

فَإِنْ بَانَ قَوْمٌ وَاشْتَدَّتْ فِلَقُ النَّوَى

فَمَا أَسْرَعَ الأَيَّامِ تَجْلُو جِدَاهَا

وَيَبْقَى صَدَى الذِّكْرَى يُسَافِرُ الدُّجَى

وَيَكْتُبُ فِي الرَّمْلِ الحَنِينُ دَعَاهَا