تخطَّ إلى المحتوى

قفي وانظري ظلي برأس المفازة

الكامل

٧٩ بيت

الحماسة

قِفِي وَانْظُرِي ظِلِّي بِرَأسِ الْمَفَازَةِ

يُطَاوِلُ شَمْسًا، ثُمَّ يَخْفُو بِغَصْبَهْ

أُمَزِّقُ فِي الرَّمْلِ الَّذِي مَسَّ خُطْوَكِ

ثِيَابَ نَوَاحِي، وَأَسْقِيهِ نَفْسَهْ

أُرَاوِغُ خَيْلِي كَيْ تُطِيقَ جُرُوحَهَا

فَمِنْ فَوْقِهَا، أَصْرُخُ لِلْبَانِ: سُبَّهْ

تَصُوصِي، وَفِي عَيْنَيْهَا الْوَجْدُ نَازِفٌ

كَأَنَّ الهَوَى خَالَطَ النَّبْضَ عَصْبَهْ

وَإِنِّي لَفِي صَدْرِ الرَّحَى مُتَهَاوِنٌ

يُفَدِّينِي الْبَانُ، وَيَخْشَانِي شَجْبَهْ

وَلِي فَحْلُ خَيْلٍ، قَامَتُهُ كَالسَّنَاهْ

إِذَا مَا سَرَى، قَامَتِ الرِّيحُ تَشْهَهْ

أَدِقُّ عَلَيْهِ السَّيْرَ فِي مُنْحَنَاهُ

فَيَخْفُقُ جِلْدِي وَيَرْتَجُّ جَنْبَهْ

لَهُ شَعْرُ ظَهْرٍ كَالسَّرَابِ مُهَفْهَفٌ

يُجَرُّ عَلَى الضَّوْءِ إِذَا الشَّمْسُ لَبَّهْ

عَرِيضُ الرُّكُوبِ، طَوِيلُ السَّوَاقِ

تَرَاهُ إِذَا قُمْتَ، يَسْبِقُ مَهْبَهْ

وَصَدْرٌ كَجِذْعِ الأَرْكِ صُلْبٌ مُهَزَّزُ

إِذَا مَا اسْتَقَلَّتْ بِالْجَلِيدِ عَزَائِمَهْ

وَبَيْنَ ضُلُوعِ البَطْنِ خَطٌّ كَأَنَّهُ

قَمِيصُ هُدُوءٍ فِي الْعُيُونِ تَرَبَّهْ

كَبِيرُ العُيُونِ، يُرْقِدُ اللَّيْلَ نَظْرُهُ

وَقَلَّ صَهِيلٌ، فَإِذَا صَهَلْتَ أَهَبَّهْ

فَيَرْعُدُ مَا حَوْلِي، وَتَجْفُلُ دَوْحَةٌ

وَتَرْتَعِدُ الْأَفْلَاكُ إِنْ هَبَّ غَضْبَهْ

وَأَنْفٌ كَأَنَّ الْفَجْرَ فِيهِ مُعَطَّرٌ

يُبَلِّلُ وَجْنَ الْغَيْمِ إِنْ مَسَّ رَذَاهْ

وَيَنْفُثُ نَفْسًا، فِي فُوَاهُ جُمَيْرُهُ

كَأَنَّ نُفُوثَ الرِّيحِ فِي فَتْقِ صَخْرَهْ

وَلَهْوَةُ فُوهِ كَالصَّدَى فِي غِيَاهِبٍ

تُجَاوِبُ أَصْوَاتَ الجِيَادِ بِنَعْهَهْ

وَمِشْيَتُهُ، فِي كُلِّ خُطْوٍ تَرَاسُمٌ

تُسَابِقُهُ اليُسْرَى، وَتُذْهِبُ صَحْبَهْ

وَفِي الحَافِرِ الصُّلْبِ انْعِكَاسُ صَخَابَةٍ

كَأَنَّ وَقِيعَانَ الرِّمَالِ جُرِدْنَهْ

يُقَبِّلُ وَظِيفَاتِ الْفُرُوعِ كَأَنَّهُ

رُسُومُ عُقُودٍ فِي الْفِرَاشِ بَنَاهْ

وَلَهُ الذَّنَبُ السَّارِي كَسِرْبِ غَمَامَةٍ

يُبَلِّلُ وَجْهَ الرِّيحِ إِنْ طَافَ شَعْبَهْ

وَفِي أُذُنَيْهِ انْتِصَابٌ كَأَنَّهُ

يُحَاوِرُ صَوْتَ الْفَجْرِ إِذَا الْفَجْرُ نَبَّهْ

تَرَى الْعَضَلَ الْمَطْوِيَّ يَلْمَعُ وَهْجُهُ

فَإِنْ ضَرَبَتْهُ الشَّمْسُ أَخْفَتْ لَهَبَّهْ

وَيَخْرُجُ عَرْقٌ فِي الجِلَادِ كَأَنَّهُ

وُشُومُ الظِّلَالِ عَلَى الحَدِيدِ تَمُدَّهْ

يُهَابُ إِذَا هَاجَتْ خُيُولٌ، وَإِنَّهُ

إِذَا أُشْعِلَ المَيْدَانُ، أَجَّجَ لَهْبَهْ

فَأَسْمَرُ لَوْ يَمْشِي عَلَى الجَمْرِ مَا شَكَا

وَلَا بَانَ فِي أَطْرَافِهِ أَيُّ شُكْوَاهْ

وَيَنْفُثُ نَفْسًا كَالجَمِيرِ إِذَا كَدَا

فَيَذُوبُ لِهَاجِرِهِ الَّذِي قَابَلَتَهْ

تُسَافِرُ فِيهِ الْعَيْنُ، ثُمَّ تُرِيدُهُ

فَتَسْقُطُ فِي نَحْرِ الجَمَالِ وَنَاهْ

وَفِي لَوْنِهِ لَمْعَاتُ وَهْجٍ كَأَنَّهُ

نُزُولُ لَيَالٍ قَدْ تَجَلَّى صَبَاهْ

يُطِيلُ سُؤَالِي عَنْكِ لَمَّا تَغَيَّبْتِ

فَيَنْظُرُ فِي وَجْهِي وَيَبْسُطُ خَطْوَهْ

كَأَنَّ الرِّيَاحَ الجَارِيَاتِ تُحَدِّثُهُ

بِأَنَّ جَمَالاً فِي الحِمَى قَدْ تَقَصَّدَهْ

فَيَهْتَزُّ مِنْ فَرْطِ الجَوَى ثُمَّ يَرْمُلُ

كَمَشْيِ الأَسَى فِي قَلْبِهِ لَمْ يُجَدَّهْ

خَلِيلَيَّ! لَا تَأْسَ عَلَى قَلْبٍ تَوَعَّدَهُ

بِوَاصِلِهِ الْبِيضِ الرِّقَابُ الْمُرَهَّبَهْ

عَلَّمْتَنِي صَبْرَ الفَلَاةِ وَقُسْوَتَها

وَكَيْفَ يُجْزِمُ وَجْدُ القَلْبِ خَطْبَهْ

تَقُودُنِي فِي كُلِّ دَرْبٍ لَا يُطِيقُهُ

سِوَى نَازِفِ الشَّوْقِ الْقَدِيمِ وَقُلْبَهْ

فَإِنْ طَالَتِ البَيْدَاءُ وَاحْتَدَّ اللَّظَى

فَأَنْتَ لِيَ الزَّادُ الَّذِي لا أَتْعَبَهْ

وإِنْ بَانَ قَوْمٌ أَوْ تَوَلَّتْ مَجَالِسُهُمْ

فَمَا لِقَلْبِي غَيْرُ صَحْبِكَ وَجْهَهْ

وَإِنَّا لَنَمْشِي نَحْوَ غَايَةٍ وَاحِدَهْ

نُرِيدُ اللِّقَاءَ الَّذِي لَمْ يَتَوَقَّعَهْ

فَنِلْنَا بِلاَءً فِي الطَّرِيقِ كَأَنَّمَا

جِيَادُ المَنَايَا فِي الوِشَاحِ تَرَبَّهْ

فَمَضَيْنَا سَيْلَ غَضَبٍ قَدْ تَرَكَّزَا

حَدِيدٍ يُجَرْجِرُ كُلَّ رُكْنٍ مُهَدَّهْ

وَأَرْفُضُ أَنْ أَرْكَعَ لِلْخَوْفِ وَانَّنِي

أَمُوتُ وَأَحْيَا فِي السَّبِيلِ وَأَصْطَبَهْ

فَنَحْنُ بِآفَاقِ الكِفَاحِ نُحَطِّمُ

جُيُوشَ الهَوَى الَّتِي تَأَبَّى وَأَبَّهْ

وَنَرْكُضُ فِي مَيْدَانِهِمْ غَيْرَ مُبَالِي

بِأَحْدَاثِهِمْ أَوْ بِالَّذِي قَدْ تَأَلَّهْ

جِبَاهِ الجَبَابِرَةِ الَّذِينَ رَأَوْا فِينَا

بُطُولَةَ أَسْدِ الْغَابِ لَمْ يَتَوَقَّهْ

فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ غَيْرَ ذِكْرَى خَئِينَهْ

تُرَوِّعُهُمْ فِي اللَّيْلِ وَالْأَيَّامِ تَنْتَهِكَهْ

وَأَنَا وَفَحْلِي فَوْقَ صَهَوَاتِ الْفَخَارِ

نُرَنِّمُ بِالنَّصْرِ الَّذِي لَا يُضَاهَى وَيُشَبَّهْ

فَلَمَّا انْجَلَتْ عَنْهُمْ ظُلُومُ مُعَرَّكٍ

رَأَيْتُ الَّتِي تَبْقَى وَرَاءَ الْمُهَيَّهْ

فَأَرْسَلْتُ مِنْ عَيْنِيَّ سِهَامًا مُعَنَّاةً

أَنَّ الْهَوَى لَيْسَ يُرَاعِي قَلْبًا تَأَلَّمَهْ

فَأَطْبَقَ صَمْتٌ بَيْنَنَا لَمْ يَنْكَسِرْ

وَكَانَ كَلَامُ الْجَفْنِ أَقْوَى مُعَرَّكَهْ

قَالَتْ: أَتَخْشَى الْفَرْقَ بَعْدَ هَزِيمَةٍ

لَهَا فِي فُؤَادِ الدَّهْرِ أَلْوَانُ فَتْنَهْ؟

فَقُلْتُ: سَأَمْضِي حَتَّى تَلْقَى جِيَادِي

قُصُورَكِ فِي أُفْقِ السَّمَاءِ الْمُؤَزَّرَهْ

سَأَمْضِي وَأَرْكُضُ فِي دِمَاء أَعَادِيكِ

حَتَّى تَلْتَقِي أَجْسَادُنَا وَتَزْدَهْ

سَتَرَيْنَنِي فِي النَّوَى مَا خَرَّ فَحْلِي

وَلَا انْحَنَتْ جِبَاهُنَا يَوْمَ الْجِدَالِ لِشِقْوَهْ

لَا أَرْضَى لِجُنْدِ الْفِرَاقِ بِسُلْطَانِهِ

وَلَا أُعِيرُ صَبْرِي لِرِيحِ الْبَيْنِ رَهْبَهْ

إِنْ قَامَ جَيْشُ الْبُعْدِ، قُمْنَا لَهُمْ

فَجَرَّدْنَا مِنَ الْعَزْمِ أَسْيَافًا أَشَدَّ مِنَ الرَّهْوَهْ

وَرَكَّبْنَا اللَّيْلَ إِذْ تَهْوِي جُنُودُهُمُ

وَنَحْنُ نَسُوقُ الظُّلْمَةَ الكَأْدَاءَ كَالْوَبَهْ

مَا انْهَزَمَتْ لِيَ خَيْلٌ فِي الْمَهَاوِي إِذَا

عَرَتْهَا أَظْلَالُ الْبَعْدِ أَوْ أَخْنَقَهَا الْعُتْهُ

كُنَّا إِذَا أَسْهَدَ النَّوَى عَيْنَ الْمُقَاوِمِ

سَهِرْنَا نُحَاكِي نَجْمَ لَيْلٍ يَقْطَعُ الشُّبْهَهْ

وَفِي وَغَى الهَجْرِ نَرْمِي جَيْشَهُمْ بِنَظَرَةٍ

تَشُقُّ الدُّجَى، وَتَجْلُو فِي القُلُوبِ كُرْبَهْ

لَا يَغْلِبُ العُذَّالُ فِي حَرْبِ الهَوَى عَزْمِي

وَلَا يَسُودُ الشَّقَاءُ وَأَنَا أَمْلِكُ النُّجْبَهْ

مَا دُمْتُ وَإِيَّاكِ وَالْخَيْلُ تَحْتَنَا

فَسَيْفُ الوِصالِ يَخْتَرِقُ كُلَّ كَرْبَةٍ مُرْتَهْ

لَا أُخْضِعُ جُنْدِيَ لِقَوْلِ الْمُتَخَاذِلِ

وَلَا أَسْمَحُ لِلْفُرْقَةِ أَنْ تَرْوِي لَيْلَهَا بِحُزْنِهْ

أَلا يَا أَرْنِيَا، قَدْ جَفَّ فِي البَيْنِ مَغْنَمي

وَشَابَ الهَوَى فِي مُهْجَتِي وَتَصَبَّبَهْ

وَصَمْتُكِ كَالغَيْمِ الَّذِي لا يُفَارِقُنِي

إِذَا مَا نَأَتْ نُجْمَاتُ لَيْلٍ مُغَرَّبَهْ

لَوْ ضَحِكَتِ الدُّنْيَا بِغَيْرِكِ مَرَّةً

مَا طَابَ فِي عَيْنِ الفَتَى إِلَّا اقْتَرَبَهْ

وَجَدْتُكِ صَبْرَ البَادِيَاتِ إِذَا جَفَتْ

وَجَرَّدْتُ قَلْبِي فِي القَفَارِ لِيَحْتَمِهْ

وَأَسْرُدُ لَيْلَ البَيْنِ شَجْوًا كَالرِّمَالِ،

تُفَتِّشُ فِي جِرَابِ الصَّبْرِ جَمْرَ تَعَبَّهْ

يَجُولُ صَدَاكِ فِي جَنَبَاتِ صَدْرِي

كَنَايَةِ رَعْدٍ، أَوْ أَثَرِ الرَّمْلِ حَزَّبَهْ

يَحُجُّنِي الدَّمْعُ إِذْ طَافَتْ بِخَاطِرِهِ

مَعَاطِفُ شَوْقٍ قَدْ شَقَيْتِ تَعَبَّهْ

وَإِنِّي إِذَا مَا جَفَّ رِيقُ التَّحَمُّلِ

شَرِبْتُ الهَوَى مِنْ مُقْلَتَيْكِ وَشُبَّهْ

أَرَاكِ إِذَا سَفَرَ الحُزْنُ فِي لَيْلِ خَيْمَتِي

تَرُشِّينَ صَبْرِي مِنْ فَمِ الغَيْمِ قُرْبَهْ

فَإِنْ عُدْتِ يَوْمًا فِي الدُّجَى لِلْمَفَازَةِ

لَقِيتِ فَحُولَ العَزْمِ تَرْفَعُ صَوْتَهْ

لَمْ يَخْبُ جَمْرِي فِي الرِّمَالِ وَإِنْ خَبَا

فِي العَيْنِ نُورُ الصَّبْرِ يَكْشِفُ لَيْلَهْ

يَسْكُنْ رَمَادُ البَيْنِ عِنْدَ مُنَاخِهِ

وَيَصْعَدُ وَجْدِي كَالسَّنَاهُ وَشُعْلَهْ

مَا أَنْهَضَتْ نَكْبَاءُ بَيْدٍ قَامَتِي

وَلَا انْثَنَى جَأْشِي إِذَا النَّازِلُ اسْتَهْ

وَإِنْ نَفَضَ الصَّحْبُ الخِيَامَ وَمَضَوْا

فَإِنِّي لِصَمْتِ الرَّحْلِ أُشْهِدُ رَحْلَهْ

لَا يَسْتَطِيبُ البَيْدُ قَوْمًا بَعْدَنَا

وَلَا يَرُدُّ اللَّيْلَ عَنْ قَلْبِي خَتْمَهْ

كَمْ مَرَّ فِي الدُّجْنَاءِ نَفْحُكَ عَابِرًا

فَكُنْتُ أُقِيمُ النَّارَ أَحْرُسُ ظِلَّهْ

إِذَا عُدْتِ فِي اللَّيْلِ المُوَحَّشِ

تَجِدِينَنِي وَحْدِي أُوَادِمُ صَمْتَهْ

لَا الْبَيْدُ تَبْلَعُنِي وَلَا الرَّكْبُ انْثَنَى

مَا دُمْتُ أَعْرِفُ كَيْفَ أُدْمِنُ وِصْلَهْ