أَفا كُلُّ مَا أَلِفْتُ الوَجْدَ يَطْوِينِي نَوَايَا
وَكُلُّ صَفَاءِ الدَّارِ يَبْغِي فِرَاقِيَ أَحَايَا
وَكَمْ مَرَّ جِذْعُ الخَيْمِ أَلْفَانِي بِدِفْئِهِ
فَصِرْتُ إِذَا مَا اسْتَدْفَأْتُ أَصْلَى الْبَلَايَا
وَحَتَّى القِرَى لَمَّا سَمِعْتُ صَدَاهُهَا
عَبَرْتُ إِلَيْهَا فَارْتَدَدْتُ بِعَبْرَتَيَا
وَيَا لَيْلَ قَوْمِي كَيْفَ كُنْتَ مُؤَانِسِي
فَلَمْ تَبْقَ فِي أَفْنَائِكَ الرَّحْمَى بَقَايَا
إِذَا جِئْتُ أَرْتَادُ الطَّرِيقَةَ بَيْنَهُمْ
تَنَاءَتْ خُطَايَ، وَعَادَ الدَّرْبُ أَشْقَايَا
وَمَا زِلْتُ أُؤْنِسُ نَفْسِيَ بِالأُلْفِ سَاهِرًا
فَيَغْدُو الأَنِيسُ وَحِيدًا ثُمَّ يُولِي خَفَايَا
وَأَعْدُدُ أَعْمَارَ اللَّيَالِي وَهُنَّ أَعِنَّةٌ
تُقَلِّبُ جَرْحِي فِي الفُؤَادِ سَوَايَا
فَإِنْ طَالَ صَمْتُ الخَيْمِ أَوْ غَابَتِ الْخُطَى
تَخَفَّتْ نَسَائِمُهُا وَزَادَتْ جِفَايَا
وَأَمْشِي عَلَى الرَّمْلِ الَّذِي كُنَّا عَلَيْهِ
فَيَخْطُرُ فِي خَافِقِي أَثَرُ الْبُكَا يَا
وَأُسْلِمُ جَفْنِي لِلسُّهَادِ كَمَا بَغَى
صَقْرٌ يُرَاوِغُ فِي السَّرَاةِ مَسَاعِيَا
إِذَا أَرْسَلَ القَوْمُ الضِّيَافَةَ مَرَّةً
أَبَى قَلْبِيَ الْمُرِّ إِلَّا فَضْلَ مَرْعَايَا
وَأَسْتَقْبِلُ الصُّبْحَ البَعِيدَ كَغَارِبٍ
تَنَاءَى وَمَا غَادَرَ الْحَنِينُ مَدَايَا
فَإِنْ سَارَتِ الرُّكْبَانُ مِنْ بَيْنِ أَضْلُعِي
تَخَلَّفَتِ الآمَالُ وَاسْتَخْفَتِ الْهَدْيَا
وَيَذْكُرُنِي صَوْتُ الْفِرَاقِ إِذَا نَعَا
فَيَبْكِي دَمِي قَبْلَ الدُّمُوعِ نِدَايَا
وَمَا زَالَ ظِلُّ الْوَجْدِ يَلْقَانِي سَحَرًا
فَيُوقِظُ مِنْ جَرْحِ السُّهَادِ بَقَايَا
أَنَسْتُ وَحْدَتِي فِي قَفْرِ بَيْدٍ خَالِيَةٍ
أُحَادِثُ نَفْسِي وَالزَّمَانُ رَثَى لِيَا
وَعَدَدْتُ أَعْوَامًا مَضَتْ فَتَفَجَّرَتْ
حَصَاةُ الذِّكْرَى بِالدِّمَاءِ وَهِيَ تُحْيَا
فَرَأَيْتُ قِطًّا فِي الْخَلاءِ تَغَرَّبَتْ
بِهِ الْبَيْدُ لَمْ يَأْلَفْ أَحَدًا أَوْ وَحْشِيَا
أَقْبَلَ يُدَانِينِي بِحِذْرٍ فِي الضِّياءِ
ثُمَّ ارْتَمَى وَاسْتَرَاحَ كَالأَمْلِ النَّاعِيَا
فَظَنَنْتُ بِهِ الضَّمَا أَوْ جَوْعَ مُنْقَطِعٍ
فَرَمَيْتُ فُتَاتَ السَّفَرِ قُرْبَهُ، زَادِيَا
وَحَفَرْتُ بِالكَفِّ حُفْرَةَ ظِلٍّ فِي الثَّرَى
وَأَسْقَيْتُهُ مِنْ مَاءِ قِرْبِيَ جُودِيَا
فَجَرَعَ الْهَامِدُ يَرْمُقُنِي بِنَظْرَةٍ
فِي عَيْنِهِا سِلْمٌ كَأَنَّ الرَّوْحَ سَرَيَا
وَرَقَبْتُ فِيهِ سَكِينَةً سَكَنَتْ فُؤَادِي
تُذَكِّرُنِي أَرَنِيَا وَعَيْنَيْهَا الْهُدِيَّا
فَهَاجَ فِي صَدْرِي حَنِينُ الْعَيْشِ قُرْبَهُ
وَاسْتَحْلَيْتُ مِنْ أَلْفَةِ العَيْنَيْنِ رَوْحَيَا
فَلَمَّا أَرَدْتُ الْقُرْبَ مِنْهُ تَهَيَّبَا
وَانْدَسَّ خَلْفَ صَخْرَةٍ يَحْسُو التَّقِيَّا
فَوَا حَسْرَتَا لَيْتَنِي نَظَرْتُ بِقُرْبِهِ
لَعَلَّ بِمِقْلَتِهِ يَسْكُنُ الْقَلْبُ الْعَصِيَّا
فَبِتُّ وَأَنْتَظِرُ السَّحَرَ بِجَانِبِهِ
وَالسَّارِدُ لا يَرْضَى دُنُوًّا وَلا شَقْوَيَا
فَإِذَا اشْتَدَّ بَرْدُ الْبِيدِ جَاءَ مُقْبِلًا
يَجْبُرْ خَوَاطِرَ مُنْتَظِرٍ شَقِيَّا
وَلَمَّا اطَّلَّ ظِلُّ الأُنْسِ فِي لَيْلِ رَكْبِنَا
دَنَتْ قِطَّةٌ أُنْثَى كَنَجْمَةِ وَهْدَيَا
لَهَا مِنْ نِعْمَةِ الْخِلْقِ مَا لَمْ تَحْصِهِ
عَيْنُ الرَّصَدِ، وَشَعْرٌ فَوْقَهُ اللَّيْلُ انْثَنَيَا
وَعَيْنٌ كَبِيرَةٌ حَوْلَهَا سِيمَا سَوَادٍ
تَزِينُهَا كَخَطِّ السُّهُومِ إِذَا انْجَلَيَا
تُسَكِّنُ قَلْبِي بِالنَّظَرَةِ الْعَذْبَاءِ وَجْدِي
وَتَذْكُرُنِي بِالْبَانَةِ وَعَيْنَيْهَا الْوَفِيَّا
فَقَامَتْ فِي النَّفْسِ حَاجَةُ الْقُرْبِ بُغْيَةً
وَمَالَ حَنِينِي لِلسُّهَادِ وَمَا نَسِيَا
فَآثَرْتُ قُرْبَ الْأُنْسِ وَاسْتَخْفَيْتُ شَوْقِي
كَصَاحِبِ خَيْمٍ يَرْقُبُ النُّجْمَةَ الْعُلْيَا
فَلَمَّا أَمِنَتْ جَنْبِيَ القِطَّةُ الشَّرْدَا
دَنَتْ وَجَلَسَتْ كَأنَّهَا الرَّاحِلُ الْهَدْيَا
تَمُرُّ عَلَى الطَّعَامِ خَفِيفَةَ الْخُطَى
وَتَمْضُغُ مِنْ زَادِي كَسِرْبَالِ الثَّرَى رَيَّا
تُلَثِّمُ فُتَاتَ الْقَوْتِ بِلِسَانٍ مِثْلِ نَدَى
فَإِذَا لَمَسَتْهُ الْفَكُّ لَانَ وَمَا قَسَا حَنَايَا
وَإِذَا شَبِعَتْ أَغْمَضَتْ جَفْنَهَا هُنَيْهَةً
وَاهْتَزَّ رَمْشُهَا كَسَاحِبٍ أَمْطَرَ الوَادِيا
وَتَمْشِي عَلَى الرَّمْلِ الهُدُوءِ مُخْتَالَةً
تُحَوِّمُ حَوْلَ القَدَمَيْنِ مِثْلَ الحَانِيَا
وَفِي كُلِّ كَفٍّ مِنْ كِفَافِهَا لَوْنُ بَرْقَعٍ
يُزَيِّنُهَا الأَسْوَدُ الرَّطْبُ وَالوَرْدُ زَاهِيَا
تُوَارِبُ خُطَاهَا ثُمَّ تَحْكُ بِجَنْبِهَا
مِثْلُ الرِّيَاحِ إِذَا اسْتَرَاحَتْ فِي النَّقَايَا
كَخُطَى النَّاقَةِ المُعَرَّبَةِ فِي المَشْيِ تَرْتَبِطُ
تَخُطُّ كُلاً عَلَى أَثَرٍ، فِي الدَّلَالِ تَبَاهِيَا
كَأَنَّهَا تَنْظِمُ الجَوْهَرَ بَيْنَ أَصَابِعِهَا
فَتَرْتِّبُ الكَفَّ تِلْوَ الكَفِّ بِالرِّفْقِ جَارِيَا
تَرْمُشُ بِعَيْنٍ فِي السُّهُومِ مُقَيَّدَةٍ
كَأَنَّهَا سَهْمُ عَيْنِ الْوَضَّاحِ إِنْ حَيَّا
وَإِذَا التَمَعَتْ جَفْنَتُهَا فِي الضِّياءِ
تَوَهَّجَ فِيهَا اللَّيْلُ يَكْشِفُ لِلْقَلْبِ زَاوِيَا
مَا هَذِهِ الْعَيْنُ إِلَّا نَجْمَةٌ قَدْ عَرَفْتُهَا
وَلَيْسَتْ بِغَرِيبَةٍ عَنْ فُؤَادِي وَمَا نَسْيَا
يَا أُمَّ الْبَانَةِ إِنَّ الزَّمَانَ يُعَاتِبُنِي عَلَيْكِ
وَفِي الذِّكْرَى قَصَاصُ الهَوَى جَلََّادِيَا
فَيَا أُمَّ الْبَانَةِ قَدْ خَلَتِ الدَّارُ مِنْ صَدًى
وَبَقِيَتْ عَيْنُكِ في القلبِ مَا انْطَفَأَتْ مَسَائِيَا
أُخَاتِلُ صَدْرِيَ كَيْ لا يَفُوحَ بِحُرْقَتِي
وَأَخْشَى مِنَ الْوَجْدِ الْقَدِيمِ شِكَايَا
وَأَخْبُو كَنَارِ اللَّيْلِ فِي جَوْفِ خِيمَةٍ
تَرَى الجَمْرَ لَكِنْ لا تُبِيحُ اللَّظَايَا
وَأَنْفَضُ أَوْجَاعِي عَلَى الرَّمْلِ صَامِتًا
كَمَنْ يَكْتُمُ الدَّمْعَ الكَثِيفَ خَشَايَا
وَأَقْسُو عَلَى قَلْبِي إِذَا جَاءَ نَازِلٌ
يُفَتِّشُ فِي عَيْنِي شُرُودَ الْمَنَايَا
وَأُضْمِرُ شَوْقِي كَمَا يُضْمِرُ السَّهْدُ نَجْمَهُ
فَيَنْأَى إِذَا مَا كَانَ دُونَ سَمَايَا
وَإِنْ أَقْبَلَ الصَّبْحُ الْبَلِيدُ عَلَى النَّوَى
تَصَدَّعَ فِي الضُّلُوعِ جَرْحٌ سَفَايَا
وَإِنْ سَاءَلُوا: مَا بِكَ الْيَوْمَ يَا فَتَى؟
قُلْتُ: البَيْدُ أَدْمَى فِي الفُؤَادِ مَشَايَا
وَكَمْ ضَاحَكَ النَّاسُ فِي الخِبَاءِ وَمَا دَرَوْا
بِأَنَّ خَلْفَ الضِّحْكِ يَحْتَرِقُ المَسَايَا
فَأَخْشَى اللَّوْمَ مِنْ قَوْمٍ إِذَا بُحْتُ عِنْدَهُمْ
وَيَعْجِزُ حِرْزُ الصَّبْرِ أَنْ يَتَثَنَّى خَفَايَا
وَإِنْ شَكَوْتُ فَمَنْ يُجِيرُ مُغَرَّبًا
نَأَى عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ وَانْقَطَعَ الرُّجَايَا
فَإِنْ ضَاقَ صَدْرُ البَيْدِ بِالْعَارِجِ النَّدَى
تَبَدَّدَ وَجْدِي وَانْطَوَى صَدَرْ حَيَّا
وَسَافَرَتِ الأَيَّامُ تُنْكِرُ قَافِلِي
وَخَلَّفْتُ ظِلِّي فِي الرِّمَالِ نِدَايَا
وَإِنْ عُدْتُ أَجْمَعُ جَمْرَ نَارِكَ بَيْنَنَا
أَضَعْتُ يَدَيَّ فِي السَّرَابِ عَلَى الشَّكَايا
فَإِنْ أَقْبَلَ النَّاسُ يَحْسِبُونِي مُؤْنِسًا
تَرَكْتُ لِقَلْبِيَ الجَرْحَ يَحْرُسُ مَغْنَايَا
وَكَمْ قَدْ هَجَرْتُ السَّهْدَ أَطْلُبُ سُلْوَةً
فَعُدْتُ أُقَبِّلُ فِي اللَّيَالِي بُقَايَا
فَإِنْ سَارَ رَكْبُ القَوْمِ عَنْ كُلِّ مَحْفِلٍ
بَقِيتُ أُؤَرِّقُ لَيْلَ بَيْدِي بِالنَّوَى شَاكِيَا
وَمَا كَانَ لِلعَيْنِ الَّتِي قَدْ عَرَفْتُهَا
سِوَى أَنْ تَخُطَّ الدَّمْعَ فِي النَّارِ مَرْسَايَا
فَصِرْتُ إِذَا أَطْلَالِي تَعَالَتْ لِمُلْتَجًى
أَكُفُّ اللَّظَى وَالْعُمْرُ أَبْقَى وِشَايَا
وَإِنْ ضَاقَ صَدْرِي بِالأَحِبَّةِ كُلِّهِمْ
تَنَاءَى بِيَ النَّوَى وَانْكَشَفَ الغَطَايَا
فَأَغْلَقْتُ أَبْوَابَ النَّدَى فِي خِبَائِهِ
وَخَلَّيْتُ نَفْسِيَ لِلدُّجَى وَالنَّارِ رَايَا
وَبِتُّ ،وَمَا أَبْقَى الزَّمَانُ بِوِدِّهِ سِوَى
قَلْبِ صَبٍّ لِلذِّكْرَى حَصَادًا خَاوِيَا
فَمَا كُلُّ مَا يَهْوَى الْفُؤَادُ مُقَدَّرٌ
وَلَا كُلُّ مَا قَدْ ضَمَّهُ الدَّهْرُ بَاقِيَا
وَمَا بَيْنَ جَفْنِ الدَّهْرِ وَالْقَلْبِ رَاحَةٌ
سِوَى جَمْرِ أَيَّامٍ عَلَى الرَّمْلِ سَافِيَا
فَإِنْ أَغْلَقَتْ أَبْوَابُ حُبٍّ وَوُدِّهِ
فَإِنِّي أُجَافِي النَّوْمَ وَالْحُزْنَ جَافِيَا
وَأَدْرِي أَنَّ الدَّهْرَ أَرْوَى مَرَابِعِي
وَمَا ضَنَّ فِي جَدْبِ الفُؤَادِ رَوَايَا
فَلاَ تَأْمَنِ الدَّهْرَ الْخَؤونَ بِوَصْلِهِ
فَقَدْ يَهْجُرُ الْمِقْوَى، وَيُدْنِي السَّرايَا
فَدَعْ مَا تَوَلَّى، فَالدُّمُوعُ وَقُودُهَا
وَمَا العَيْشُ إِلَّا صَبْرُ نَفْسٍ مَطَايَا
وَعِشْ مُعْتَمِدًا أَنْ لَا مَفَرَّ مِنَ النَّوَى
وَلَا خَيْرَ فِي حُلْمٍ يُرَاوِدُنَا غَايَا