أُسَامِرُ وَجْهَ اللَّيْلِ وَالخَمْرُ عِندَنِي
قِدَاحُ مُدَامٍ فِي اليَدَيْنِ كَابْتِسَامِ
وَيَهْتَزُّ خَاطِرِي بِظِلٍّ مُتَرَعٍ
كَظِلِّ حُلْمٍ فِي سُرَى اللَّيْلِ مُلْتَثِمِ
أُسَرِّي وَبُنْيَانُ السَّمَا فَوْقَ مَهْجَتِي
يُسَمِّعُنِي الحَصْبَاءَ فِي اللَّيْلِ مُنْقَسِمِ
أَخُطُّ خُطَايَ فِي البِيدِ الوَسِيعَةِ،
وَيَهْدِئُنِي الصَّبْرُ كَالمَاءِ بِالأَدِيمِ
فَمَرَّ نَسِيمٌ حَمَّلَ العِطْرَ مِنْهَا
وَهَبَّ لَهِيبٌ فِي جَوَانِحِهَا دَمِي
فَظَنَنْتُهَا أَدْنَتْ وَطَيْفُكِ وَافِدٌ
يُحَرِّكُ مَا فِي العُمْرِ مِنْ طِيبِ مُغْنَمِ
وَإِنِّي لَأَسْمَعُ فِي الرِّيَاحِ نِدَاءَهَا
كَنَغْمِ رُكُوزٍ فِي فَلاةٍ بِمُعْتَلَمِ
فَآهٍ عَلَى طِيبِ الْعَرِيقَةِ إِذْ سَرَى
تُخَالِطُ أَيَّامَ الْوِصَالِ بِالنَّسِيمِ
إِذَا لَاثَ عِرْبَارُ الرِّيَاحِ بِعِرَارَةٍ
تَفَتَّقَ فِي صَدْرِي جَوًى لَمْ يُخَتَّمِ
وَشِيحٌ إِذَا مَسَّ الصَّبَاحُ غُصُونَهُ
رَفَا صَدْعَ قَلْبِي ثُمَّ عَادَ لِيَسْتَلِمِ
وَكَأَنَّهُ وَبْلٌ فِي الجَوَانِحِ صَاخِبٌ
يَسِيلُ فِي القَلْبِ مِنْ جَمْرٍ كَتِيمِ
وَذِكْرَاكِ رَاسِيَةٌ بِنَفْسِي مُقِيمَةٌ
كَسَيْفٍ صَقِيلٍ مِنْ صَفَائِحِ يَامِ
قَمَرِيَّةُ الطَّلْعِ وَالْعَيْنَانِ بَاهِرَةٌ
تُرَاعِبُ أَحْدَاقِي وَتَسْبِي صَفْوَ مُعْتَزِمِ
لَعَيْنَيْكِ كُحْلٌ مِثْلُ فَجْرٍ بِصَخْرَةٍ
وَلِي مِنَ الحَدِّ سِنَانٌ لَمْ يُدَمَّ بِرَغْمِ
إِذَا لَمَعَتْ لَمَعَتْ وَإِنْ غَابَ وَمْضُهُمَا
بَقِيتُ عَلَى سِرْجِ الهَوَى سَرْجَ مُلْتَزِمِ
رَقِيقَةُ خَدٍّ وَالسَّبِيطُ مُهَفْهَفٌ
كَرِفْدٍ يَرِفُّ عَلَى ارْتِعَاشٍ مِنَ النِّعَمِ
تُضِيءُ الْمُحَيَّا فَيَخْفِقُ خَافِقِي
كَمَا يَضْرِبُ الْبَرْقُ الرِّمَالَ عَلَى العَلَمِ
إِذَا مَشَتِ الْبَيْضَاءُ لَيْلًا تَهَيَّمَتْ
ظِلَالِي وَانْحَنَى مِنْهَا جَوَانِحُ كَالْعَصَمِ
يُدَاوِرُنِي اليَرْبُوعُ عِندَ أَثَافِيِّنَا
كَأَنَّ بِقُرْبَتِنَا هَمَسَاتِ مُكْتَتِمِ
وَقُنْفُذُ لَيْلٍ فِي الحَصَى يَتَحَفَّفُ الصَّدَى
ثُمَّ يَفْرِي الصَّمْتَ مِشْيًا كَمُبْهَمِ
تُهَذِّبُ أَحْشَائِي وَتَرْبُطُ هِمَّتِي
كَرَاعٍ يُسَدِّدُ سَهْمَهُ بِيَدِ الْحَزَمِ
وَلَوِ اجْتَمَعَ الشُّعَرَاءُ يَوْمَ مَجَالِسٍ
لَخَرُّوا لِوَصْفِ الحُسْنِ صَرْعَى عَلَى فَمِ
فَلَا عَذْلَ يَثْنِينِي وَلَا لَوْمُ لَائِمٍ
فَإِنِّي أَعِفُّ عَنِ الدَّنِيءِ مِنَ الْهِمَمِ
هِيَ الدَّارُ مَا أَرْضَى سِوَاهَا لِخَافِقِي
وَلَا بَانَةٌ أَهْوَى وَلَا ظِلُّ مُعْتَصَمِ
بِهَا تَنْفُذُ الأَفْكَارُ صَعْقًا كَأَنَّهَا
نَبْلٌ يُشِدُّ سَنَاهُ يَدُ البَأْسِ فِي القِمَمِ
وَكَمْ شَدْتُ مِنْ شِعْرِي عَلَى ذِكْرِ وَجْهِهَا
كَبُنْيَانِ فَارِسٍ فِي السَّرَاةِ عَلَى إِرَمِ
إِذَا بَرَقَ الدَّمْعُ فِي عُيُونِ مُحَبَّةٍ
تَفَجَّرَ فِي أَحْشَائِي عَلاءُ مُنَعَّمِ
وَحَبْلُ دَلُوٍّ فِي فَمِ الْبِئْرِ ارْتَعَشَا
فَهَاجَتْ بِهِ نَفْسِي كَمَاءٍ مُتَرَعٍ دَهِمِ
انْقَادَ لِي صَوْتُ الغَوَارِبِ رُحْتُ فِيهِ
وَجْدًا كَمُسْتَسْقٍ إِلَى الْعَيْنِ مُلْتَزِمِ
وَإِنْ غَابَ عَهْدٌ عَنْ مَنَازِلِ مَنْزِلِي
أَرَدتُ ذِكَرَاهُ كَغَيْمٍ فِي العَتِيمِ
فَيَحْضُرُنِي طَيْفٌ كَأَنَّكِ هَاهُنَا
يُهَاجِسُ قَلْبِي وَالْبَيَانُ عَلَى فَمِي
أُرَتِّبُ فِي صَدْرِي كَلَامًا كَأَنَّهُ
صَحَائِفُ قَلْبٍ قَدْ تَنَزَّلَ فِي حُلُمِ
فَنَفْحَاتُكِ الْبَيْضَاءُ تَحْمِلُ نَشْوَتِي
كَرِيحِ قُفٍّ قَدْ تَسَلَّلَ مِنْ عَدَمِ
وَأَرْفَعُ فِي ذِكْرَاكِ هِمَّةَ عَاشِقٍ
يُجَارِيهِ عِندَ الخِبَاءِ بِمُحْكَمِ
فَإِنِّي إِذَا أَذْكُرْتُ وَجْهَكِ أَخْضَرَتْ
رُبَى فُؤَادِي بُقْعَةُ الرَّوْضِ وَالنِّعَمِ
تُسَامِرُنِي لَيْلًا وَنَفْسِي حَوْلَنَا
تُحَاوِرُنِي صَمْتًا كَعِطْرٍ عَلَى خَتَمِ
وَإِنْ غِبْتِ عَنْ عَيْنِي بَقِيتِ بِسَاحَتِي
تُجَالِسُ نَبْضِي كَجَدْوَلِهِ المُتَرَسِّمِ
وَمَا نَسَجَتْ كَفِّي بُيُوتًا لِغَيْرِكُمْ
وَلَا قُمْتُ إِلَّا عِنْدَ إِذْكَاءِ مُلْتَهِمِ
فَيَا قَمَرِيَّةَ الْعَيْنِ،إِنْ قِيلَ:مَنْ هِيَ؟
قُلْتُ: زَهْرَةُ البِشْرِ وَسِرُّ الْمُتَبَسِّمِ
هِيَ البَانَةُ الغَضَّاءُ مَا طَالَهَا يَدٌ
وَلَا قَدَرٌ يَطْوِي لَهَا سِفْرَ مُحْتَكَمِ
وَمَا خَطَّ قَلْبِي بَيْتَ وَجْدٍ لِغَيْرِهَا
فَعَهْدِي عَلَى ذِكْرَاكِ صَامِدُ جُلْمِ
وَمَا طَلَعَ الطَّيْفُ فِي مَجْلِسٍ لَنَا
إِلَّا وَقَامَ الشِّعْرُ نَشْوَانَ مِنْ نِعَمِ
هِيَ السَّرَاةُ إِنْ بَلَغْتِ فَرَاحِلِي
لَا يَخْذُلُ الْحُرَّ النَّزِيعَ عَنِ الكَرَمِ
فَإِنْ غِبْتِ يَا زَهْرَ الْحَيَاةِ تَهَدَّمَتْ
قُصُورُ بَيَانِي وَانْطَفِئْتُ عَنِ الْكَلِمِ
وَمَا كَانَ قَلْبِي قَبْلَ وَجْدِكِ عَابِرًا
وَلَا خَطِّيَ الْمَسْطُورُ فِي الْقَوْمِ مُعْتَلِمِ
أُعَانِقُ طَيْفًا كُلَّ لَيْلٍ كَأَنَّهُ
تَعَلَّقَ مِنْ صَدْرِي أَثَرٌ فِي مُعَصَّمِي
فَلَوْ كُنْتُ أَسْلُو عَنْ هَوَاكِ تَجَرَّدَتْ
سُبُلُ الهَوَى مِنْ مُهْجَتِي وَمِنَ الدَّمِ
أَيَجْهَلُ قَوْمِي مَا رَأَيْتُ بِوَجْهِهَا
فَكَيْفَ تَغَشَّوْهُ بِعَمًى عَنْ مُبْتَسِمِ
وَلَوْ أَنَّهُمْ شَاهَدُوا الحُسْنَ بَاحِرًا
لَتَبَدَّدُوا كَالرَّمْلِ فِي يَوْمٍ بِهَمِّ
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الجَمَالَ مُقَامُهَا
وَأَنَّ ضِيَاءَ العَيْنِ فِيهَا عَلَى خَتَمِ
وَلَوْ قِيلَ:مَا صُوْرَةُ الإِبْدَاعِ فِي أَوْجِهِ
أَشَرْتُ إِلَيْهَا فَوْقَ بَابٍ مِنَ الْحُكُمِ
وَلَوْ عَرَفُوا أَنَّ المَلَاحَةَ رَأْسُهَا
لَخَرُّوا سُجُودًا فِي رُبًى غَيْرِ مُتَّهَمِ
وَلَا قِيلَ فِي الْوَصْفِ الْعَظِيمِ إِغْرَابٌ
فَهِيَّ النَّضَارَةُ فِي الْقَفَارِ وَفِي الأُدُمِ
هِيَ الغُصْنُ بَلْ هِيَ الهَوَى مُتَجَسِّدًا
وَبَدْرُ اللَّيَالِي فِي صُدُورِ ذَوِي الْهِمَمِ
تَبَاهَتْ بِهَا أَسْرَارُ قَوْمٍ كُلِّهِمْ
فَلَوْ أَبْصَرُوا مَا قَالَ قَائِلُهُمْ: عَدِّمِي
وَإِنِّي بِلُقْيَاكِ أُجَلِّي قَصَائِدِي كَأَنِّي
عَلَى شَمْسِ الضُّحَى فَوْقَ مُحْتَكَمِ
فَسَلْ سُيُوفَ صَبَابَتِي: مَنْ قَتَلَ الْقَلْبَ؟
تُجِبْ:وَجْهُهَا، وَالمِسْكُ فِي النَّفَسِ الخَتِمِ